سأكتب.. وأرمي في البحر
موسى حوامدة
* القدس العربي
سأكتب وأرمي في البحر؛ سأكتب عن الموتى الذين يحيون، من جديد؛ عن الأموات الذين يولدون، معي، كل ليلة؛ عن أمي التي لم ترضعني جفوة البشر؛ عن أبي الذي لم يعرف كيف يغري الحليب بالنشوة، والمندلينا بالضحك.
سأكتب عن مُشعلي الثورات؛
عن كحل الصبايا، في عيون الشفق.
سأكتب وأرمي في البحر؛
سأكتب عن آدم وحواء..
آدم والندم علاقة أزلية يفصلها الحرف الأول،
وحواء بركة الخليقة
تحضن الرمل، بساعديها، وتمص شفاه المغيب.
آه يا أمنا العظيمة،
لماذا أنجبت كل هؤلاء الطغاة؟
من أين جئت بهم، ومن أي كهف معتم حبلت بهم؟
سأكتب عن الخيانة ـ
تلك التي تباع في السوق،
وتفسر في فنجان قهوة.
ساكتب وأرمي في البحر.
من علمك الصمت، أيها القرد الهمجي؟
من أعطاك زلة اللسان؟
ومن منحك قفا الطاعة والعصيان؟
من علم المدينة المقاومة؟
ومن منحها الزعفران؟
من حطَّ في باب التاريخ كفن المعلم الأول؟
ومن نهى الريح عن مصادقة الغدران؟
سأكتب عن القبور ـ
تلك التي صار لها أبواب ونوافذ؛
صارت لها عتبات وكهرباء،
وأتناسى حقي في انبلاج الفجر.
سأهذي
واهذي بما لا تعلم الفصول؛
سأرمي كانون في الربيع
وأخيط كُمَّ تشرين بإبرة الصيف؛
سأحكم على حزيران بالبرد،
وأغري الخريف بشهر آيار؛
سأحمل، معي، الشتاء، في حقيبة تموز،
وأغير مسار الكلمات.
ما الذي عكر صفو المطر؟
ما الذي عكر صفو الثناء على الموت؟
ما الذي أهدر دم الغصون،
وباح للغريب بسر النار؟
سأكتب عن البحر بماء البحر،
وأحمل الريح بقميص الريح؛
أدلق الغيوم في كف السماء،
وأجلس تحت ظل الغيمة أنتظر زلة لسان السواد.
سأكتب وأكتب، ولن أقيل نفسي من وظيفة الغضب.
يتها الدمي المتحركة، أفيقي من سباتك الأبدي؛
أفيقي من خدر الشعر والتطريب؛
أفيقي من غفلة الزمان،
والغاز الغريب؛
افيقي، يتها السماء، من غيبوبة الحرمان؛
من نقص المناعة، ومن زيادة الخمول.
خيمة واحدة وتطير؛
حمام كثير ويموت؛
أبواب سبعة للرزق يغلقها الشيطان، ويفتحها الشيطان،
ومالي لبداية البداية، من سبيل، سوى الخوف..
الخوف، على الذئاب،
من الذئاب.
وما تلك بيمينك يا ربي
تلك قبة الغباء أضعها فوق نقوش الحسرة
اخبئ تحتها عفاريت الصباح
واملأها بتراتيل السحرة.
سحر وأديعة وبخور وجنازات
موت وفقر وبلاء يجر البلاء،
أنبياء ترعرعوا بيننا وما حملنا منهم سوى العصي والبنادق
ورب البيت مصلوب لا يقاتل أحداً ولا يعانق
إيه يا رب الارباب
حكمتك العتيقة لم تعد تصلح للغربان.
سأكتب عن الخوف في صدور الحشرات؛
عن الجبن في قلوب الحجارة؛
أمد يدي ليد الخراب،
وأمسك نجوماً لا تطيع العتمة.
من أين تبدأ الحرية، يا رب،
ومن أين تعرف الشعوب راية الريح؟
المسي جدسي، يا نسائم الحرية،
لم يعد يغريني الورد،
فاصنعي لصحرائي صبراً وارف القسوة.
يا لخيبة المدن المستلة،
حين تعفيها العواصف من رداءة الغبار!
امسحي وجهك، بالسواد، يا محن القبيلة،
كم يحن لك الهجاء.
ساكتب وأرمي في البحر.
ويا قراء الحظ والفناجين أشيحوا وجوهكم عما أهذي،
فليس من حقكم أن تسمعوا ما يثيره الله في هذيان الخليقة،
ولا أن تفكروا في ما يمكن، ولا يجوز، في زمان العنكبوت.
كل شيء مفضوح، وكل شيء مرئي،
ولا شيء مفهوم
إلا ما يريده البلبل الأصفر،
وما يحتاجه الطفل للتأتأة، وما يريده الخفاش في كشف صفحة الكسوف..
يا لكسوف الشمس، تحت جنح الظلام،
تنسل خجلاً من وظيفة الحرية،
وتعطي خيوطها لتاجر قادم من كلية الحرب!
يا لنساء الجزيرة،
ابعثن زرقاء اليمامة، مجدداً؛
فما حيلة الغراب سوى النواح على حائط الأمل،
وما للأمل الا العزاء.






رد مع اقتباس