|
|
![]()
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن قضية التعايش السلمي في الإمارات، وعن موقفنا تجاه الآخر الذي يعيش بيننا، ومراعاتنا لشعور الأجانب ودياناتهم واحتفالاتهم الدينية والقومية، حتى أصبح هذا الموضوع متداولاً على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، خاصة المسموعة كبرامج البث المباشر، مثلاً، أو غيره من وسائل الاتصال، وغدا مادة مثيرة للجدل. والسبب ليس في فقداننا نعمة التعايش مع الآخر، بقدر ما هو سيطرة ثقافة الآخر علينا، لدرجة أن البعض أظهر تخوفاً كبيراً من احتمالات طغيان تلك الثقافة على ثقافتنا المحلية، وتأثيرها على قضية المواطنة والتي وضعت في إطار مجتمعي جديد.
ففي الوقت الذي يدعو البعض إلى احترام قضية التعايش بين الأعراق المختلفة في مجتمعنا، أطلت قضية ثانية رمت بظلالها على مفهوم المواطنة داخل مجتمع الإمارات. فبينما تدور القضية الأولى حول احترام ثقافات الآخر الوافد إلينا، تدور القضية الثانية حول احترام التعددية الإثنية والعرقية في مجتمع الإمارات نفسه، أي بين المواطنين أنفسهم. فما ظهر أخيراً في المجتمع من وقائع، يثير القلق ويدعونا لمراجعة اتجاهاتنا السلوكية ومواقفنا، ليس من الآخر فحسب، ولكن تجاه بعضنا البعض.
قضيتان أثارتا الرأي العام لدينا وخلقتا جدلاً في وسائل الإعلام وتبناهما البث المباشر، الأولى تتعلق بقضية شجرة عيد الميلاد التي نصبت في أماكن متعددة من أسواقنا التجارية، وبعضها الأكبر والآخر الأغلى في العالم. والقضية الأخرى متعلقة بقضية المواطنة الأصيلة وغير الأصيلة، والتي أثيرت أيضاً عبر البث المباشر، وتتعلق بمواقفنا من أنفسنا، أي من مفهوم المواطنة وقضية التفريق بين مواطن وآخر على أساس العرق والخلفية الإثنية وغيرها من القضايا. القضيتان مترابطتان، وشغلتا الرأي العام المحلي، وطرحتا جدلاً مجتمعياً أثار الكثير من التساؤلات وطرح العديد من الأسئلة، ونكأ جروحاً غائرة يمكن أن تتطور إلى مرض قاتل. القضيتان تمثلان ظاهرة خطيرة يجب الالتفات لها قبل أن تتطور، وقبل أن تخلق بيئة غير صحية تهدد ذلك التعايش السلمي الذي عرف به مجتمع الإمارات، منذ الأزل وحتى يومنا هذا.
القضية الأولى ليست كلها من صنع أيدينا، فهي مرتبطة بوضع ديمغرافي بات يؤرقنا، وليس له حل قريب، وعلينا أن نتعايش معه وأن نتعامل مع آثاره بكل حكمة. فقد بينت كل الدراسات العلمية، ومنذ فترة طويلة، أن هناك آثاراً سلبية كثيرة لقضية التركيبة السكانية المختلة، أهمها طغيان ثقافة الأقوى والأكثر، وها هو الوقت قد أتى ليصبح هذا الوضع قضية نعيشها ونتحمل آثارها المختلفة، وفي مقدمتها التهديد البالغ لثقافتنا المحلية بكل مكوناتها. الآن وبعد أن بانت آثارها وعجزنا عن إيجاد حلول جذرية لها، علينا على الأقل أن نتعامل معها بكل حكمة، حتى لا نثير على أنفسنا إشكاليات نحن في غنى عنها، على الأقل في الوقت الراهن، خاصة وأن أعين المنظمات الدولية والحقوقية مسلطة على مجتمعات الخليج قاطبة.
أما القضية الثانية فهي من صنع أيدينا ومتعلقة باتجاهاتنا السلوكية، وسوف تؤثر على وحدتنا الوطنية إذا لم نتعامل معها بكل اقتدار وحكمة، بعيداً عن المراهنات المجتمعية الخاسرة. هذه القضية مرتبطة بسلوكيات البعض التي باتت تؤرق الجميع، ألا وهي ظاهرة التباهي الاجتماعي بالأصل والعرق وغيرها من القضايا، واتخاذها كسبب للتفريق بين شخص وآخر. فمتى أصبحت قضية المواطنة موضوعاً للرهان الاجتماعي؟
لقد نما وتطور مجتمع الإمارات منذ القدم على أسس وسلوكيات اجتماعية إيجابية، ساهمت في تقدم هذا المجتمع وفي جعله مجتمعاً مثالياً، حتى قبل أن يصبح مجتمعاً غنياً بفعل النفط. وكان التعايش السلمي سمة من سمات هذا المجتمع، حيث لم تكدر صفوه أي حادثة صغيرة كانت أم كبيرة، حتى بين الجنسيات الوافدة والمتناحرة أصلاً في بلدانها الأصلية. لقد هيأ مجتمع الإمارات لكل الوافدين إليه مجتمعاً نموذجياً، عاشت فيه كل الأضداد متآخية متحابة، دون أن تكدر صفوها أي حادثة. أما السكان الأصليون فقد عاشوا وكأنهم أسرة واحدة يتقاسمون لقمة العيش البسيطة، ولا حدود تفصل منازلهم أو عوائلهم أو حتى أرواحهم. ولم يكن للقبيلة أو النسب الاجتماعي أي فضل على أي فرد، سوى الفضل الذي فضله الله عليه. لذا احترم الغني الفقير، وساعد الكبير من هو أقل منه، ووقف أهل المال والجاه والسلطان مع الناس البسطاء في أحزانهم قبل أفراحهم. ولم تظهر أي سلوكيات اجتماعية خاطئة تضر بوحدة المجتمع أو تؤثر على تناغمه الاجتماعي، فقد عاش أهل البلاد في عدالة وسواسية عززتها ظروف الحياة وقسوة العيش.
لقد تغير مجتمع الإمارات وتطور ودخلت إليه، بالإضافة إلى الآلاف المؤلفة من الناس، سلوكيات خاطئة، بعضها يعد من إفرازات مرحلة التطور، وبعضها يدل على غياب النضج الاجتماعي، فأصبحت هناك مراهنات على الجاه والمنصب والمال، وغيرها من إفرازات مرحلة التطور. ولكن كل هذه تصبح ثانوية حين مقارنتها بظواهر أخرى، كقضية المراهنة على المواطنة، فيصبح المواطنون طبقات ودرجات وأقساماً، رغم أن الدستور والقوانين المحلية لا تحمل هذه الفروقات.
إن مجتمعنا يمر حالياً بتغير اجتماعي حرج، يحتاج منا إلى التعامل مع إفرازاته بكل حكمة. كما يحتاج منا إلى المزيد من الحملات التوعوية، التي تبشر بمفهوم مواطنة جديد، قادر على أن يحتوي كل الاختلافات الإثنية والعرقية الموجودة داخل مجتمعنا. فقضية المواطنة والتعايش السلمي، هما قضيتان في غاية الحساسية، وبهما تتعلق صورة الإمارات الجميلة في الداخل والخارج، ولا نريد أي شيء يكدر تلك الصورة التي رسمتها لنا ريشة الآباء والأجداد، بل نريد أن نحفظها لكي تبقى متألقة، وأن نساعد الجيل الجديد على الافتخار بما حققه هو أيضاً وإضافة، وليس فقط بمنجزات الآباء والأجداد.
فاطمه الصايغ
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))