النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مجرى قلم في شعم (1-2) للكاتب يوسف أبو لوز

  1. #1
    مراقب عام للمنتدى
    تاريخ التسجيل
    14 - 10 - 2007
    المشاركات
    3,051
    معدل تقييم المستوى
    252

    Uae99 مجرى قلم في شعم (1-2) للكاتب يوسف أبو لوز

     

    ما يشبه سيرة الشخص وسيرة المكان (1 -2)

    مجرى قلم في شعم







    الاســـم:	مجرى قلم في شعم.jpg
المشاهدات: 1158
الحجـــم:	20.9 كيلوبايت






    يوسف أبولوز / ملحق الخليج الثقافي

    (1)

    لي ولع داخلي وخارجي يصل أحياناً إلى درجة الصراخ أو النداء الحبيب مبعثه الكتابة عن المناطق النائية في الامارات وفي أي مكان أحلّ فيه، وفي هذه الحال تتحول الكتابة إلى استعادة حنينية شخصية ربما تكون مرتبطة بالطفولة حيث ولدت في مكان ناءٍ جبلي يطل على الغور الأردني ومن مرتفعه ذاك ترى في المساء، من بعيد، أضواء القدس تتلألأ مثل الدموع الصغيرة.
    ذلك المكان يقع غربي مدينة مادبا الأردنية وتتموج فيه الجبال كالنساء الحوامل وقد غطته أشجار الصنوبر، وفي المنحدرات كانت أشجار التين والعنب والرمان تعيش على عيون ماء تسمى عيون موسى.
    الأشجار، إذاً، تأكل من العيون
    الأشجار وحدها لها القدرة على شرب الدمع
    والأشجار شقيقات ومحبّات ومربيّات
    تربيت في حضن شجرة تين
    ورضعت حليباً مراً من قصفة عود الشجرة
    حككت جسدي بالعود
    وبقيت أشعر بالحكّة التي هي الكتابة


    (2)

    يأخذني الصديق الشاعر والباحث في الثقافة الشعبية الاماراتية عبدالعزيز المسلم إلى قرية “نحوة” إحدى قرى الشارقة الجبلية النائية قبل حوالي عامين طيلة يوم كامل بسيارته الخاصة وقد انتزعته من اجازته الاسبوعية لأشبع أنا “نرجسيتي” في لقاء أماكني وأماكنه النائية.
    نتجه إلى “نحوة” من الشارقة آخذين طريق وادي الحلو في حوالي العاشرة صباحاً، وفوجئت بفرح داخلي أنه أحضر في سيارته صندوقاً فيه الماء وطعام الافطار الشعبي الاماراتي. أخجل منه وأمتنع عن التدخين حتى وصولنا إلى وادي الحلو لالتقاط بعض الصور.. (هناك كتابة شخصية أخرى قادمة عن وادي الحلو).. أتأمل جبلية الوادي فيهدأ قلبي في رحاب هذه الطمأنينة الوارفة التي تسجلها الطبيعة نحو صخب الانسان وسرعته وتهالكه وتكاثره في حياة المدينة.
    إذن، ها أنذا في المكان الذي أحبه، المكان البعيد عن الأصوات المرتفعة في المدن المرتفعة، أقصد معمارياتها المرتفعة، والعيش في المعماريات العمودية المرتفعة ليس أمراً مرفرضاً فهذه دائماً طبيعة المدينة وصورتها السكانية أو صورتها المقطونة، إنما لأمر خصوصي جداً تذكرت كم على الانسان الذي عاش في قرى وأرياف وجبال من حقه أن يحب جبل نيبو وجبل وادي الحلو وجبل شعم كأنه يحب أولاده الثلاثة.
    وإذا أردت هناك الكثير من الجبال التي تصنع الحب البشري تجاهها.
    ألم يعشق رسول حمزا توف جبال بلده داغستان حتى حوّلها في الكتابة من مرتفعات جغرافية ضيقة إلى عوالم من الشعر العظيم الذي غزا الأرض بتلك الخصوصية الصغيرة في بلده؟
    باختصار كل الجبال هي لي ولك ولكل الشعراء.
    الجبال في الامارات وفي الصين وفي إفريقيا وفي آسيا وفي أمريكا اللاتينية وفي ألمانيا وفي جزر القمر وفي أبعد زاوية من هذا العالم هي ممتلكات شعرية بالكامل وتعود في بهائها الأرضي إلى حقوق الشعراء.
    كأن الجبال آباء الشعراء.
    قبل سنوات زرت جبل حفيت في أبوظبي ومنطقة حتا في دبي وكثيراً ما أزور خورفكان فأحس أنني ارتفع. شعرت بروح النسر وقلبه وجناحيه وتحليقه.
    في هذه الأماكن الجبلية.. الاماراتية تسمح لنفسك بالقول انك قصيدة عالية. قصيدة مرتفعة بالريش والجسد والعظم واللحم.

    إنك هناك في تلك الاعالي النائية انسان الصفاء والراحة والطمأنينة، ليس لأنك جسد، بل، لأنك روح.
    في تلك اللحظة يكون ولعك بالجبال، وبالنائي من الجبال، هو الشعر في حد ذاته.

    (3)

    أعود إلى قرية شعم في رأس الخيمة.

    .. قرية جبلية بالكامل. صغيرة ملمومة وضيقة والضيق أحيانا يفضي إلى الاتساع. انها تتسع في صغرها بسبب مجاورتها للبحر فتبدو بيوتها وكأنها تحيات صباحية يومية للبحر.
    أتخيل بيوت شعم تقول كل مطلع شمس:
    صباح الخير أيها البحر

    صباح الخير أيها الجبل

    بين الجبل وبين البحر شريط ضيق تقع فيه شعم هادئة، مشرقة، مطمئنة بين الماء وشجر النخيل. البيوت شعبية والناس شعبيون. الطيبة والمحبة ترشح من وجوه البشر وهم يسعون في الظلال مسرعين أو مُبْطئين إلى اعمالهم وإنشغالاتهم اليومية.
    لا أصوات مرتفعة في شعم. لا صخب ولا مشاحنات على مال أو على بنين. الجبال تلقي التحية على البحر عبر أشجار شعم كأنها وسيط هاتفي أخضر، البحّارة قليلون، ويخيل إليك أن أحمد بن ماجد ترك سفينته هنا واختفى في اليمّ الازرق ذاهباً إلى قلب آسيا حيث المزيد من المخطوطات التي كان يبحث عنها ليدل العالم إلى أرض أخرى.
    قلت: شعم مكان روائي اكثر منها مكاناً شعرياً. فلأكتب هنا روايتي أو حكايتي بالقرب من البحر الذي أجاوره للمرة الأولى في حياتي، ولكنني لم اكتب رواية. ذهبت إلى الشعر مباشرة وهناك في شعم قبل اكثر من 25 عاماً وفي صيف 1984 كتبت قصيدة طويلة.. ولكن قبل ذلك.. أين سكنت في شعم وكيف وأين؟
    استأجرت بيتاً واسعاً محاذياً تماماً للبحر بالقرب من مدرسة أحمد بن ماجد يتألف من 3 غرف وصالة واسعة. الغرف الثلاث كانت تحيط بالصالة الواسعة التي وضعت في منتصفها طاولة متوسطة الحجم ثقيلة وقوية استخدمتها للطعام والكتابة.
    أتذكر الآن أو أحاول أن أتذكر ان اجرة ذلك البيت الواسع كانت أقل من 500 درهم في الشهر..(.. الآن بعد ارتفاع الأسعار وبعد ربع قرن من تلك السكنى لا أدري كم اصبحت أجرة ذلك البيت الأول الذي اسكنه في الامارات..).. أسكن إذن في بيت واسع تكاد تضربه أمواج البحر في الليل.. الأمواج الهائجة والمتدافعة برغوتها البيضاء الخشنة، ومن ذلك الهياج المائي استعرت اسم قصيدتي التي ولدت في شعم.. أسميت قصيدتي تلك “الهياج”، ولكنني بعد اكتمالها اسميتها “مجرة القتلى”.. ولسوف تشتهر تلك القصيدة التي نشرت في مجموعتي “ضجر الذئب” ومن خلالها سوف ينعرف اسمي عربياً، بل يتم تكريس اسم كاتب “مجرة القتلى” الامر الذي يلفت النقاد إلى هذا النص “الهائج”.
    لذلك أقول إنني نضجت شعرياً في الإمارات بعدما كنت مبتدئاً في الأردن، وبعدما صقلت تجربتي مدينة الدمام التي عشت فيها قبل مجيئي إلى الإمارات.

    (4)

    كل شاعر في جسده “جرثومة” جميلة اسمها القلق أو عدم الاستقرار.
    لذلك وأنا القلق، لن أمكث كل أيامي في شعم، بل سأذهب يومياً إلى رأس الخيمة. تبعد شعم عن رأس الخيمة حوالي 20 كيلومتراً. طريق ريفي زراعي ترى على جانبيه بعض الماعز في عز الظهيرة، أما شجرات النخيل فسوف يأكلها غبار مصانع الاسمنت الواقعة على ذلك الطريق. لا بأس هذه البيئة حتى الآن تصلح لكتابة الشعر.
    في تلك الأيام وفي شعم لم أعرف الشاعر عبدالله الهدية ابن ذلك المجال الجبلي البحري وهو الشاعر الكلاسيكي الأصيل والحميم.
    بعد سنوات من معرفتي بعبدالله الهدية اصبحت كلما أقابله في مناسبة ثقافية كأنني ألاقي شعم.
    بالنسبة لي ارتبط اسم عبدالله الهدية باسم شعم. لا إرادياً تعود صورة شعم اليّ كلما رأيت وجه عبدالله الهدية الهادئ والشاعر بكل صميمية إبداعية.

    (5)

    قبل أن تصل رأس الخيمة وأنت قادم من شعم تصادفك قرية “الرمس”. عندما قرأت “الرمس” على إحدى اللافتات المرورية تأملت الاسم جيداً. فالرمس هو القبر، و”الرمسة” بلهجة أهل الامارات الشعبية هي الكلام أو المحادثة، والرمس ايضاً يحيل الى معنى الطلل.
    التفت الى الرمس واعود الى شعم.
    شعم ايضاً إذا أردت تدوير حروفها فهي: مشع وهي شمع، والشمع أو الشمعة هي مادة اشعاع أو مادة اضاءة. أحاول أن اربط بين هذا المعنى المضيء وبين عبقرية الضوء في جبال شعم. هذه الجبال المملوءة بالأسرار والحكايات والأساطير. جبال قامت بنحتها الطبيعة. جبال مهيبة قوية وراسخة في التاريخ والجغرافيا.
    اعاين الضوء والظل في مهابة جبال شعم وأحزن لأنني لست رساماً، ولو كنت كذلك لما وجدت حقلاً فنياً لاختباراتي التشكيلية أكثر ملاءمة وأكثر اصالة من جبال شعم.
    لكنني لست رساماً. أنا اكتب الشعر. لست شاعراً فهذا يقرره النقاد والقراء. ولكن من حقي أن اقول إنني اكتب الشعر.
    كتبت “شعم” في قصيدة “مجرة القتلى” من دون الاشارة المباشرة الى اسم “شعم” وانما يظهر في طبقات النص وجه الجبل ووجه البحر وصوت الموج وطيف أحمد بن ماجد.
    يظهر في النص ليل شعم ونهارها وضوؤها الساقط من الجبال نحو البحر.
    ولسوف اكتفي بهذه المضمرات الفنية واللغوية والتعبيرية حول شعم في القصيدة لاكتبها اليوم نثراً:
    شعم اخت الجبل
    شقيقة الماء ومحبوبة النخل
    بلدة بشر مولودين من الماء
    بشر محبون ورجال يعشقون الكبرياء
    شعم مخزن أساطير ورواية لم تكتب بعد
    ضحكت كثيراً في شعم
    ولا مرة بكيت
    كنت ضيف الشاعر في شعم
    وكنت ضيف الشجرة
    وضيف الجبل وضيف البحر
    أكلت سمكاً على نار هادئة
    وغسلت وجهي بماء بارد
    فأصبحت شبيهاً بالنورس

    (6)

    أعود الى “الرمس”
    بعد سنوات عرفت الشاعر عبدالله محمد السبب. ملامحه تذكرني عبر مخيلة مفترضة بوجه اتخيله هو وجه امرئ القيس. وجه متأمل وصموت. وجه شاعر قديم. شاعر خرج من البحر ليقيم على اليابسة.
    لكن عبدالله السبب يكتب قصيدة نثر بعكس عبدالله الهدية المتمسك بعمود الخليل بن أحمد الفراهيدي مثله مثل أحمد العسم الشاعر الذي يتنفس الشعر كل صباح مع فنجان شاي ساخن.
    في تلك الأيام لم أكن أعرف أحمد العسم. لقد ظهر كشاعر مكرس بعد العام 1990 كما اذكر، ولكنه كان يكتب ويخبئ أشعاره في صندوق ملفوف بالحرير.
    أحصر طريقي بين شعم والرمس.
    في شعم أحاول أن أسبح في البحر. ولكن من أين لجبلي مثلي لم ير البحر في طفولته وصباه قط ان يسبح في بحر شعم أو في أي بحر آخر.
    اترك السباحة واكتفي بالكتابة.
    اكتب في شعم واقرأ في ذلك البيت الواسع. في تلك الأيام في شعم سأقرأ غاستون باشلار، وأعيد قراءة رسول حمزاتوف الذي كنت اتخيله ضخم الجسد ممتلئاً كما يليق بجبلي داغستاني. ولسوف يصدق خيالي، ففي العام 1985 زار رسول حمزاتوف الامارات بدعوة من اتحاد كتاب وأدباء الامارات. قيل في الصحف إن حمزاتوف له لقاء مع الكتاب والشعراء في الامارات في مقر الاتحاد.
    أهرع من شعم الى الشارقة لألحق بموعد حمزاتوف في مقر الاتحاد وكان آنذاك في شقة صغيرة في مبنى يقع في رأس شارع عبدالناصر حيث كان الاتحاد في أول أو ثاني سنة من انشائه.
    كان رسول حمزاتوف الذي يزور الامارات في تلك السنة أحمر الوجه ثخيناً وثقيلاً، ولكنه في منتهى الرقة والشفافية والعفوية. شاعر جبلي حقيقي. راكز في ذاته وواثق من قوة الشاعر في كيانه الكلي.
    أستعير صورة الشاعر وامتلئ بها، واعود الى شعم، الى منطقة جبلية ايضاً. منطقة استعير منها قوة الجبل ورسوخه في مكانه وفي صورته.
    يقال إن الجغرافيا تعكس طبيعتها على وجوه البشر والكائنات وحتى الأشجار.
    هذا صحيح تماماً. كانت جبال داغستان محمولة على اكتاف رسول حمزاتوف، وها هي جبال شعم ليست على كتفي فقط، بل في قلبي.
    التعديل الأخير تم بواسطة الراصد ; 20 - 6 - 2009 الساعة 08:31 PM

  2. #2
    عضو ذهبى الصورة الرمزية أبو عبادي
    تاريخ التسجيل
    28 - 3 - 2009
    المشاركات
    2,658
    معدل تقييم المستوى
    129

    رد: ما يشبه سيرة الشخص والمكان.. مجرى قلم في شعم (1-2) للكاتب يوسف أبو لوز

    كل المناطق لها منطق
    الا النائية لها فلسفة مكانية
    غزل ازلي بين الحياة والاحضان
    شعم ظهرها ضيق وصدرها واسع
    والرمس ظهرها واسع وصدرها ضيق
    تلك هي فلسفة الحصى والماء
    وبين الضيق والوسع تضيع العبارات
    وتنتظم معاني الود والحب
    شعم حرف الشموخ
    ورمس حرف الرباط
    وبين الشموخ والرباط
    تذوب الحدود وتتلاقى النفوس

  3. #3
    عضو ذهبى الصورة الرمزية omkhalid
    تاريخ التسجيل
    28 - 11 - 2008
    المشاركات
    6,214
    معدل تقييم المستوى
    82

    رد: مجرى قلم في شعم (1-2) للكاتب يوسف أبو لوز

    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

المواضيع المتشابهه

  1. [خبر] ولادة خنزير يشبه القرد سبحان الله
    بواسطة RAKBOY783 في المنتدى المجلس المنوع
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 23 - 8 - 2009, 06:07 PM
  2. إبراهيم محمد يوسف الشحي في ذمة الله "سيرة ذاتية" (صورة الفقيد)
    بواسطة الراصد في المنتدى مجلس أخبار مدينة الرمس
    مشاركات: 66
    آخر مشاركة: 26 - 2 - 2009, 11:59 PM
  3. شاعر سعودي يشبه لميس بالكعبة المشرفة( استغفر الله)
    بواسطة عاشق الرمس في المنتدى المجلس المنوع
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 21 - 9 - 2008, 10:33 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •