عطر الحياة
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
سقط المطر على وجه العيد . .
المطر، أيضاً هدية من الله . إنه عيد آخر، يسقط على الأشجار والتراب والحجارة، فتبدو الطبيعة كأنها خارجة للتو من ميلادها الشتائي الذي يستهوي الشعراء، ويحولهم إلى أطفال .
سقط الدمُ، أيضاً، على وجه العيد - مطر أحمر هذه المرة .
يقع على قبّعات الأطفال وعلى حقائبهم المدرسية وإفطارهم الصغير .
سقطت الدموع على وجه العيد . .
الشاعر يجفف الدمع بكم قميصه، ويكتب قصيدة يهجو فيها الألم، ذلك الألم الذي له أسنان حمراء وأصابع من فولاذ .
الموسيقي يهجو أحزان البشرية بقطعة من الغناء الأخضر الذي يبشر بالجمال والحياة .
المغني يهدي قلبه إلى طفل في السادسة من عمره، يمهّد طريقه إلى المدرسة ويعرّفه، مبكراً، بالأمل لا بالألم .
الرسام ينتزع من جناح العيد ريشة بيضاء ويرسم بها وردة من أجل امرأة تضع المستقبل على صدرها وتربت على رأسه بكل تلك العبقرية الإنسانية التي اسمها: الحنان .
وحده الطاغية لا يعرف ماذا يفعل؟
أين يمضي صباح العيد؟ أين يمضي تحت سقف من الدم والدموع؟
. . كم يلزمه من الوقت لكي يعرف الفرق بين النشيد والنشيج؟ كما يلزمه من الوقت لكي يشتري الهدايا لأبنائه؟ وكم يلزمه من المرايا لكي يرى صورته مكبّرة وصافية منذ أن كان طفلاً يلهو مع القناديل والفراشات، ثم يكبر ويكبر، وينسى الطفولة كلها . . ليست طفولته وحده، بل طفولة أقرانه وإخوته ورفاقه . . ينسى طفولة المرأة والوردة . وينسى طفولة الشجرة والمرأة والقصيدة .
تعالوا أيها الحكماء والأطباء والفلاسفة والشعراء . . اصنعوا عيداً واحداً فقط من أجل رجل بلا طفولة .
تعال أيها المستقبل، لكي توبّخ الماضي .
تعالي يا أناشيد جلجامش، ويا أشعار ناظم حكمت، ويامراثي لوركا، وياسرديات تولستوي، ويا غناء بوب مارلي، ويا دموع عشتار، من أجل أن نعيد الطفولة إلى قلب مكتهل بالقوة والفتك والنار .
سقط المطر على وجه العيد .
وحده الماء . ماء الله الذي ينظف قلب الإنسان وجسده ولغته .
وحده الماء عطر الحياة الذي لا ينضب . . عطر الطفل والشاعر والموسيقي والرسام . . أبناء الأرض التي تحترق في الأرض . . ومازال الدم يسقط والدمع يحفر مجرى له على وجوه الأطفال . . قبل ذهابهم إلى تناول الإفطار .





رد مع اقتباس