|
|
يوميات رجل خلف النافذة
خالد الناصري
* القدس العربي
خلفَ هذه النافذة التي تُطل على العالم، يجلسُ رجلٌ يبحث عن ذاكرته:
لكِنَّ الذاكرةَ الآن تُضرب بالهراوات، والرصاص
أيّة ذاكرةٍ متورمةٍ، ومثقوبةٍ ستكون لنا!
الذاكرةُ تُذكَّرُ، وتُؤنَّثُ، وتتزاوجُ، وتُنجبُ أطفالاً.
لكنها الآن إذا ما أنجبَت طفلاً
يولد ميتاً
وسنرى جسده أصفرَ، لامعاً
وعلى الشفتين سنرى العفن الأزرق ذاته للقمح المتروك منذ أربعين سنة في الحقول.
وسنرى غربان البين تأتي تُثقّب بمناقيرها السوداء جسد الطفل، ثم تتركه مُثقَّباً ومُشرعاً للريح.
أما نحن فسنسمع بوضوح، كلّما جلسنا في ليالي الصيف صوت صرير.
سنرى أيضاً المارة يستريحون عند جسد الطفل،
يسندون ظهورهم عليه،
يدخنون سجائرهم على عجلٍ،
ثم ببطءٍ شديد يُطفِئُونها على جسده،
ويمضون.
الضباع ستأتي أيضاً، وستأكل أعضاءه، وتمضي
)في السابع والعشرين من شهر آيار لعام 2011. نُشر مقطع فيديو، يُظهر جثة الطفل حمزة الخطيب من مدينة درعا السورية، وقد تعرضت للتشويه. كانت الجثة منتفخة رغم وجود العديد من الثقوب، وكان عضّوها مقلوعاً(
يا حمزة كيف لك أن تكون منتفخاً، وواضحاً هكذا
رغم كلّ هذي الثقوب؟
آهٍ، أيّة ذاكرةٍ متورمةٍ، ومثقوبةٍ ستكون لنا!
أيّة ذاكرةٍ مخصيَّةٍ ستكون لنا!
-2-
خلفَ هذه النافذة التي تُطل على العالم، يجلسُ رجلٌ يبحث عن ذاكرته:
ومع أن النافذة افتراضية
لكن القتلى حقيقيون.
صباحاً، حين يخرج للمشي،
تتفتح في الهواء نوافذ كثيرة، يخرج منها قتلى، يُفزِعون الهواء، وسرعان ما يرحلون، ويُسمع في الأجواء صرير:
)يجمع الباحثون الفلسطينيون على أن الصرير: هو صوت يصدر عن أيّ شخص يتعرض مكرهاً للترحيل، أو التهجير، أو القتل. وذلك في حالين اثنين فقط: أثناء رحيله؛ وكلما جلس يتذكر(
أيّة ذاكرةٍ بلا أمس ستكون لنا
وكل الذين في الأمس
رُحِّلوا
فرَحَلوا
رَحَلوا
أخذوا معهم صباحاتنا وتركوا ذاكرتهم تغني
تركوا لنا مغنين خفيين
وليس لنا نحن إلا أن ننصت لحشد المغنين، الذين حولوا مدننا إلى أغان تبكي رحيلهم:
البيوت: عَتَابات أمهات يتذكرن.
الرجال: مواويل تدندن بأسماء الذين رحلوا.
النساء: نايات تحاول عبثاً أن تلطف رحيلهم.
الأشجار: ألحان تتصاعد، وتارة تتساءل حائرة: كيف رحلوا؟؛ وتارة تردد كمن ينطق حكمة: رحلوا، رحلوا، رحلوا!
هكذا تتزاحم فينا الأسرار، نحن المنصتين لكل هذا الرحيل.
في هذه اللحظة، آخر يرحل، ومن الفراغ الذي يتركه، يهب هواء يضرب في المدينة:
الشوارع الكبيرة: مزامير تُحصي الأماكن التي لم يمروا بها بعد.
الشوارع الصغيرة: مزامير أصغر تحصي الأماكن التي رحلوا عنها.
الحارات: تُحدِّث عن رحيلهم.
والدروب الصغيرة: تدل على طريق العودة إلى البيت،
لكن البيت كان ينهدم على رؤوس ساكنيه،
وتنهدم معه الطريق
ونحن نُنصت لكل هذا الرحيل
يُسمع في المدينة نفيرٌ يُعلن عن رحيل جديد
الساحات: أبواق ينفخ فيها الجند، والجند صدى لأبواق أكبر تنفخ فيها القبور
البنايات الصغيرة، طبول صغيرة تُقرع، والكبيرة صنوج تُدق، والناس ترحل مثل لحن
وفي المدينة عارياً يرقص ويتمشى الموت دون حياء أو خجل
فجأة، ومن السماء، صوت ضخم يأتي
الشمس طبل كبيرة يقرعها الضحايا تحية وداع منهم للباقين
وما الباقون إلا نحن،
ننصت لكل هذا الرحيل
ننصت ونتذكر
لكن الذاكرة الآن تضرب بالهراوات، والرصاص
أية ذاكرة متورمة ومثقوبة ستكون لنا
الذاكرة تغني أيضاً
ولكنها إذا ما غنت، اُقتلعَت حنجرتها ورميت في النهر
)في التاسع من تموز لعام 2011، عثر على جثة المغني ابراهيم القاشوش مرمية في نهر العاصي السوري. كانت الجثة منتفخة رغم وجود ثقب كبير في الرقبة، وكانت حنجرة المغني مقلوعة(
لكن الذاكرة إذا ما اقتلعت حنجرتها، ورميت في النهر
غنى النهر.......
...............
أيّة ذاكرة من صرير ستكون لنا.