|
|
حول فيلم "وحتى المطر"
عدنان مدانات
* الخليج الثقافي
فيلم “وحتى المطر” إنتاج إسباني مكسيكي مشترك من إخراج آسيار بولايين، تدور حوادثه في أمريكا اللاتينية وجرى تصويره في بوليفيا التي تعتبر أكثر بلدان أمريكا الجنوبية فقراً .
الفيلم من إخراج آسيار بولايين، وهو عبارة عن فيلم داخل فيلم ويتحدث عن تجربة فريق سينمائي يقوم بتصوير فيلم تاريخي عن الغزو الإسباني لأمريكا الجنوبية بقيادة كريستوفر كولومبس والحملات الدموية التي قادها كولومبوس ضد السكان المحليين في رحلته الأولى .
على الرغم من أن الأحداث التي يتطرق لها الفيلم الذي تجري الاستعدادات لتصويره لا تجري في بوليفيا، فقد جرى اختيار منطقة ريفية في بوليفيا لتنفيذ التصوير بسبب رخص الأيدي العاملة ورخص أجور الممثلين الثانويين والكومبارس المستعدين للعمل ساعات طويلة مقابل مبلغ زهيد من المال، لكن الفيلم لا يكتفي بالحكاية التاريخية بل يضيف إليها حكاية أخرى معاصرة تجري وقائعها بالتزامن مع تصوير أحداث الفيلم وتتشابك معها، فهناك إذاً، فيلمان في عمل واحد، أو في داخل فيلم، أحدهما تاريخي يروي وقائع غزو عسكري، والثاني معاصر يروي وقائع غزو اقتصادي تسبب في موجة احتجاجات واسعة حقيقية في بوليفيا دخلت ضمن بنية الفيلم .
في بداية الفيلم يصل المخرج سيباستيان بصحبة المنتج كوستا وفريق التصوير إلى منطقة كوشابامبا في بوليفيا لتصوير فيلم عن رحلة كولومبوس الأولى إلى ما أطلق عليه تسمية “العالم الجديد”، وكان المخرج يرغب بالتركيز على شخصية اثنين من الإسبان اللذين أذهلتهما القسوة التي تعامل بها الجيش مع السكان المحليين وكرسا حياتهما لاحقاً لفضح هذه الممارسات .
يختار المخرج الشاب دانيال، وهو أحد الرجال المحليين، لأداء دور أحد الزعماء المحليين الذي قاد المقاومة ضد الغزاة الإسبان، ويتصادف أن دانيال ذاته هو أحد زعماء المتظاهرين المحتجين على إحدى الشركات الاحتكارية الرأسمالية التي تريد خصخصة والسيطرة على موارد ومصادر المياه في بوليفيا من ينابيع وأنهار وحتى المطر، يتعرض دانيال لإصابة أثناء مشاركته في المظاهرات ما يجعل المخرج يعرض عليه مبلغاً من المال لقاء عدم المشاركة في المظاهرات، وذلك كي يضمن استمرارية تصوير الفيلم، ويقبل دانيال بذلك إلا أنه لا يفي بوعده ويتابع قيادة المظاهرات إلى أن يتعرض للاعتقال، ما يضطر المخرج إلى دفع مبلغ إضافي رشوة للشرطة كي يطلقوا سراحه مؤقتاً كي يستمر عمله في الفيلم .
بالتزامن مع تصوير المشاهد التاريخية، أي الفيلم الأصلي، يعرض الفيلم مشاهد المظاهرات والمصادمات العنيفة بين قوات الجيش والسكان المنتفضين ضد احتكار مصادر المياه، التي تحولت فيها المدينة إلى ساحة حرب . الطريف في الأمر هنا أن هذه الأحداث التي يصورها الفيلم جرت بالفعل في تلك المنطقة في بوليفيا وانتهت بالتخلي عن مشروع السيطرة على مصادر المياه وهو ما يحصل في الفيلم أيضاً .
في المشاهد الأخيرة من الفيلم تصاب ابنة دانيال الطفلة بجرح خطر في ساقها ونزيف يهدد حياتها، وتهرع الأم إلى طلب المساعدة من المخرج، فيما يستعد هو وبقية الفريق للانتقال إلى موقع تصوير آخر، وذلك كي تتمكن من نقل ابنتها إلى المستشفى لإسعافها في سيارة المخرج عبر شوارع مملوءة بالحواجز والمتاريس وأعمال الشغب . ويتردد المخرج في البداية بسبب ارتباطه بفريق التصوير، غير أنه يقرر في النهاية أن يقوم بواجبه الإنساني فيقود سيارته في الشوارع متجاوزاً ما يحيط به من أخطار، على الرغم من تعارض ذلك مع الحاجة إلى استكمال إخراج الفيلم .
نجح المخرج في تقديم مشاهد ملحمية ثرية من الناحية البصرية، سواء من خلال الأحداث التاريخية أو من خلال الأحداث المعاصرة التي بدت في الفيلم وثيقة صادقة تنبض بالحياة بسبب قوة ودقة الإخراج وبراعة الإنتاج الذي استطاع تحويل شوارع المدينة إلى مناطق مدمرة ومبان مهدمة وشوارع مملوءة بالحجارة والمتاريس والحواجز .
يمارس سيناريو الفيلم لعبة ذكية، ففي حين أن الأصل في الحدث هو الغزو الإسباني لأمريكا اللاتينية، فإن الفيلم لا يتتبع هذه الوقائع بل يكتفي بتصوير التحضيرات الخاصة بالفيلم التاريخي، هذا في حين يجري تركيز كبير على ما يحدث في المدينة من مظاهرات وصدامات بين الأهالي وقوات الجيش التي تقمع الناس لمصلحة الشركة المحتكرة لمصادر المياه . هذا ما يجعل من الممكن طرح السؤال: ما الأهم في السينما في ما يتعلق باختيار الموضوعات، فهل المهم هو الموضوعات التي تدور في أجواء التاريخ، أم الموضوعات التي تتعامل مع الواقع المعاصر وتناقش القضايا الجوهرية الراهنة التي تهم الغالبية العظمى من أفراد الشعب؟ هذا التركيب المميز للفيلم يجعل منه فيلماً سياسياً بامتياز، هذا على الرغم من أن الفيلم لا يطرح أفكاراً سياسية مباشرة .
هكذا يطرح الفيلم إذاً، بطريقة غير مباشرة، مسألة علاقة السينما بالواقع، ولا يكتفي بذلك، بل يتناول أيضاً، في قراءة أخرى، مسألة علاقة السينمائي ذاته بالواقع، فالمخرج يختار، عندما يكون عليه المفاضلة بين متابعة تصوير الفيلم أو مساعدة الأم في نقل ابنتها المصابة بقدمها إلى المستشفى رغم ما يحيط بهذا من مخاطر وصعوبات، يختار مساعدة الأم . كما أن الممثل المحلي دانيال، على الرغم من الحوافز المادية التي قدمت له كي يتخلى عن النضال ويستمر في العمل في تصوير الفيلم، يختار متابعة النضال .