المرايا السبع !

خيري منصور

* القدس العربي






قد يكون نرسيس الاسوأ حظا بين مخلوقات الاساطير، لأن مرآته اصابته بالعمى عن كل شيء سواه، فاقترن بها كامثولة لعبادة الذات، رغم ان هناك مرايا اكثر خداعا من تلك المرآة الاسطورية وهي على التوالي:.

*مرآة دون كيشوت

هذه المرآة ليست من زئبق ولا تعلق على جدار لأنها من لحم ودم، فمرآة هذا الفارس المخدوع بطواحين الهواء هو تابعه سانشوا الذي ينقل اخبار حروبه الكوميدية، فهو ما ان تحول من قرين الى ظل وبالتالي الى صدى حتى فقد آدميته، وانتهى الى مرآة لسيده المخدوع، وسانشوا قد لا يكون بعيدا عن قفة التابع للتبريزي في حكاية تراثية معروفة تحولت الى مسرحية بقدر من التأويل في دلالاتها، فإن كانت رواية سرفانتس هي ما يؤرخ به لما يسميه الناقد الماركسي جورج لوكاتش ملحمة البرجوازية الاوروبية فإن هذه الرواية تزامنت مع ما يسمى الشعر التشردي او التروبادور والذي يرتبط بصلة ما من تبادل التأثير مع الشعر العذري عند العرب، لهذا حاول دنيس دورجمون في كتابه الحب والغرب ان يعقد مقارنات بين حكايات الحب الرومانسي في اوروبا وبين هذا الشعر، وقد تكون حكاية تريستان وايزولد التي تحولت الى مسرح واوبرا مرادفا على نحو ما للحكاية العذرية عن قيس وعفراء اكثر من اية معشوقة اخرى، فالشاعر العربي العذري كان يفتعل العقبات كي لا يتحقق الوصال مع من يحب، وهذا ما يعترف به صراحة جميل بثينة عندما يقول: يموت الهوى مني اذا ما لقيتها.. فالحرمان تحول من شكوى الى مطلب، لأنه شرط استمرار التوتير، كأن الشاعر العربي كان يدرك ان الرّغبة تموت في الاشباع، ومن هنا اصبح يستمرىء الحرمان بما يشبه الماسوشية الطوعية، لهذا فإن سانشوا لا يخلو من اصداء وظلال تشردية في الشعرية العربية خصوصا في حقبته الرعوية.

والفارق بين مرآة دون كيخوت الآدمية ومرآة نرسيس المائية، هو ان الأول كان يسمع ما يشتهي سماعه بصوت آخر في حقيقته صدى لصوته، اما نرسيس فلم يكن يرى على صفحة الماء سوى صورته كما هي بجمالها وجاذبيتها، لهذا عوقب بالغرق وهو يتبع ذاته، بينما عوقب دون كيخوت بما انتهت اليه سيوفه المحطمة، لكن الاثنين تحولا بمرور الزمن الى امثولتين في الافتتان بالذات وخداعها.

*مرآة جان جينيه
هذا القديس الشهيد كما سماه سارتر لم يتردد في فتح الباب على مصراعيه لشياطينه كلها، والتي هي في حقيقتها هواجسه واغترابه وشعوره بالاقصاء، لكنه كان خجولا الى الحدّ الذي لا يستطيع معه ان يحدق طويلا الى المرايا، ليس بسبب صلعته اللامعة او ملامحه الطفولية التي احتفظت بزغبها حتى الشيخوخة او بما يقال عنه من تشرد وشذوذ، بل لادراكه بأن المرايا كمائن واحيانا زنازين، وهذا ما جسّده دراميا في مسرحية عن خادمة فُتِنَت بسيدتها واخذت تتقمصها وتحاكيها في غيابها بحيث لم تعد ترى نفسها في المرايا بقدر ما ترى تلك السيدة التي استوطنتها حتى النخاع، وحين حاولت الخادمة قتل سيدتها كي تتحرر منها اكتشفت انها في داخلها وليست في مراياها فقط، عندئذ لا سبيل الى قتل السيدة الا بقتل الذات،الانتحار.

* مرآة لوديف

في مبغى قديم تحول الى مُتحف جنسي، شاءت المصادفة ان اقيم عشرة ايام كضيف متوسطي في ذلك المكان، اصغيت الى ما ترشح به الجدران من فحيح وحفيف وما يصر به السرير من ذكريات كتلك التي كتبها موباسان في قصة السرير، وكان هواء الغرف مضمخا بذكرى روائح حرّيفة زالت ولم يزل صداها في الانف. ومن محتويات المتحف العجيب مرايا متفاوتة الحجوم، تناولت واحدة منها فلم لا ابصر الا وجهي، فشعرت ان المرايا ليست خادعة فقط بل كاذبة باحتراف احيانا، ولو كان لزئبق تلك المرآة ذاكرة لما رأيت وجهي او اي شيء مني فيها، لأنها تختزن وجوها غابرة، لكنها كانت مطلية بالمساحيق وكل ما يجتذب الزبائن من جنود عائدين من الحرب.

في تلك المرآة بعد ان قشرت سطح زجاجها بدأت الوجوه تظهر واحدا بعد الاخر، من مختلف الألوان والاعمار لكن ما يتكرر فيها هما العينان، فهما على الدوام مذعورتان سواء كانتا سوداوين او عسليتين او زرقاوين، انه الذعر من الشيخوخة او ربما من حادث مفاجىء يصيبهما بالعمى، ولا ادري لماذا قضيت اليوم التالي للرحلة في تلك المرآة بحوار طويل مع الصديق الراحل سركون بولص عن قصيدة السياب المومس العمياء!

*مرآة الكومبارس

لا أحد غيره يدرك مدى عذابه لأنه في كل دور يقوم به يتأكد مجددا بأنه ليس البطل، بل هو نقيضه، وقد يكون محظوظا في فيلم ما بأن يقوم بدور الباشا او الوزير او رجل اعمال لأقل من دقيقة، بثياب مستعارة وملامح مستعارة، سرعان ما يخلعها كلها ويعود اليه، وما يؤكد هذه العودة غير المرغوب فيها هو المرآة، واذا كان محروما من البطولة واقعيا، فهو يعوّضها في عزلته الشجيّة، فقد يرى في المرايا من يشاء، اباطرة او ملوكا او فرسانا، وما يحرم منه في أداء البطولة امام الاخرين يمارسه سرا امام المرايا، فالعادات السرية كثيرة وأخطأ من ربطها بالجنس فقط، وبالطبع فإن لكل انسان اوهامه التي يريها ويراها ويغذيها، فالكومبارس كما سمعت من احدهم في مقهى بَعْرة بالقاهرة الذي يعج بهم هو فقط سيىء الحظ، وقد يخترع حكايات عن سبب تحول كومبارس آخر الى بطل باستثناء حكاية واحدة هي الأصل، موهبة ذلك الذي بدأ كومبارس وتثقيفه لنفسه.

مرايا الكومبارس تعجّ بالابطال، وبمبالغات تعويضية لا تصل حدّ الاشباع، لأنه اشباع كاذب ولا يجد بطل المرايا من يشاركه الوهم.

*مرآة المصعد

فجأة تكتشف في المصعد بأنك اكثر من واحد، وحين يشاركك آخر فعلى الفور يصبح داخل هذا القفص اربعة اشخاص،تلتقي عيونهم بحذر مشوب بالفضول ويكون الصمت ثقيلا قد يتجرأ احدهم على اختراقه بسؤال عديم الاجابة.
مرايا المصاعد تصلح لترتيب ما اختل من تصفيف الشعر او ربطة العنق، لكنها كخزانة غرفة في فندق، لا ذاكرة لها، تمتلىء كي تفرغ سريعا.

*مرآة جوستين

عندما قرأت رباعية الاسكندرية للمرة الاولى في مصر فور صدور جزأين منها قامت بها د. سلمى الخضراء الجيوسي بشكل آسر، استوقفني بل شلّني المشهد الذي التقى فيه نسيم حصناني بجوستين، التقت الاعين في مرآة مغبرّة على مدخل فندق سيسل بالاسكندرية، واصغى نسيم وهو يحدق الى المرآة الى صمت عميق ينبعث من رجلين يجلسان في صالة الفندق ويلعبان الشطرنج، لم اكمل الرواية بعد هذا المشهد وركبت القطار الى الاسكندرية واتجهت مباشرة الى فندق سيسل بحثا عن المرآة المغبرة، فلم اجد فيها احدا يلعب الشطرنج او امرأة تلتفت برشاقة فرس وهي تمسك طرف الفراء الذي على كتفيها بأصابع تذكّر من يراها بالبيانو... رأيت صبيا اشعث الشعر وفي عينيه سؤال قروي رفضت حتى الان خمسون مدينة او عاصمة ان تجيب عليه ..

*مرآتي

يضحكني كل يوم ان احلق فيها لحية شخص آخر وحين ابحث عني في زئبقها المراوغ لا أجدني، لكن ندبة قديمة على الحاجب الأيسر تدلني عليّ فأخرج مسرعا من المرآة الى تلك الشجرة التي تسلقتها صبيا واشتبكت مع اصابعها وهي تدافع عن عُشّ مهجور ...

انها مرايا نمرّ بها ونرى انفسنا فيها لكننا لا نراها !