أعمار في الأدراج
حبيب الصايغ
* دار الخليج
نزعم أننا عشنا الماضي والزعم حرية شخصية . من حق كل إنسان أن يقول ويعدد ويسرد القصص والحكايات . من حق كل واحد منا استحضار ذاكرته كما يستحضر الأرواح . من حقه أن يقاوم الضجر بالصراخ، وأن يواجه الموت بمعلقة طرفة بن العبد . من حقه أن يدعي من هنا حتى صباح اليوم التالي، لكن الادعاء كالزعم قضية شخصية، وتدخل في المتاح، ولا تدخل هنا حتى لا يفسر مصادرة على المطلوب .
كيف نعيش الماضي، أو ندرك أننا عشنا الماضي حقاً قبل أن نعيش المستقبل؟ ثم إن المستقبل ذاته محطة خاطفة ومؤقتة، وهو بعد قليل يصبح ماضياً، فكيف نزعم بعد ذلك أننا عشناه .
حتى نتوصل إلى نتيجة فلا بد أن نضع أمامنا الماضي والحاضر والمستقبل . أن نسوقها أمامنا كالقطيع، وأن نصل بها، هنالك بعيداً، إلى قمة الجبل، قريباً من الغيم العالي والمطر العالي . أن نوجه أسئلتنا الحقيقية إلى تلك الأزمنة المتكبرة، وأن نخضعها لأمزجتنا الخاصة ولو قليلاً . أن نتعامل معها بشجاعة وجرأة وأريحية ومن دون تمييز . أن نضع تلك الأزمنة على المحك، ونقولها لها: أنت الآن في امتحان العمر، وجاوبي لو سمحت .
من غير “لو سمحت” فهذه الأزمنة لم تتعامل معنا بأخلاق، ويجب علينا، وهذا مبدأ أن نرد الصاع صاعين .
التحدي هو عنوان المرحلة المقبلة ولا مفر . هذا إذا أردنا أن ندخل في أعمارنا حقاً، ولا نتركها تمر أمامنا ونحن نتفرج .
ثم من قال إن أزمنتنا ماضٍ وحاضر ومستقبل فقط؟ ماذا عن الليالي المتكدسة كالأنياب القاتلة وراء الهضاب القريبة والبعيدة؟ . . ماذا عن النهارات المضيعة في أحلام الخوف؟ . . ماذا عن الأوقات الضائعة بفعل الساعات الواقفة والخربة؟ . . ماذا عن أوقات الفرح المبالغ فيه أو النحيب؟ . . ماذا عن أزمنة الكتابة والكآبة؟ . . ماذا عن أزمنة النعاس والنوم؟ . . ماذا عن أوقات المرض؟ . . ماذا عن سنوات تلقي دروس لا حاجة لها؟
بين الماضي والحاضر والمستقبل أزمنة وأزمنة، وكلها تتلصص علينا الآن، في هذه اللحظة، وتنتظر الرأي والقرار، فهل نضعها في الغفلة ونعاملها بالمثل، أم نسامحها ونمنحها الفرصة من جديد؟
لن نعيش الماضي إلا إذا عشنا المستقبل . هذه حقيقة، فليتأمل المتأملون، ولن نعيش المستقبل إلا حين يكون في المضارع، ولسوف يتحول سريعاً إلى ماض لم نعشه ولا يمكن أن نعيشه من جديد .
المقارنة . هذه كلمة السر . هذه هي الكلمة الملعونة التي تحرمنا البهجة وتفسد علينا أعمارنا، والمقارنة غير ممكنة إلا إذا قبضنا على الماضي والحاضر والمستقبل، وما فيها وما بينها، ووضعناها في جيوب المعاطف وأدراج المكاتب، فقد نقتنص عندئذ لحظة خارج أزمنتنا أو لحظات، ونخرج من جيوبنا الماضي والحاضر والمستقبل والأرانب والسلاحف .