أحمد التدمري
حبيب الصايغ
* دار الخليج
طوال أربعة عقود، ومنذ الأعوام السابقة لتأسيس الدولة، ظلّ اسم أحمد التدمري حاضراً، واسمه حاضر اليوم . حاضر إلى جانب موته المفاجئ، وكأن الصورة تحتمل أيضاً هذه اللقطة: أحمد التدمري وإلى جانبه أمل مطوق بالموت، وهو الرجل الذي عاش طويلاً للأمل، ولحياة الأمل .
موته مفاجئ بالنسبة إليّ على الأقل، وقيل إنه بعد صراع مع المرض، وكان يقدم نفسه كإنسان حي، وكان في الواقع نابضاً بالحيوية . آخر مرة التقيته في معرض الشارقة للكتاب صبيحة يوم الافتتاح . أقبل عليّ وعلى وجهه فرحة غمرت قلبه حتى فاضت . أعرف أن ذلك من فرط حبه للكتب والعلم، لكنه جاملني مجاملة لطيفة حول نيلي لقب شخصية العام الثقافية . قلت له إذا كنت شخصية العام فأنت شخصية كل الأعوام . ابتسم ابتسامة خفيفة ووقف إلى جانبي طول الوقت . كان يسأل عن الثقافة والكتابة واتحاد الكتّاب . عن الصحافة ومستقبل الصحافة والإعلام، وكان يسأل سؤال العارف الذي يتواضع من جهة، ويريد أن يتأكد من جهة ثانية .
لا يمكن تناول الثقافة في رأس الخيمة، وهي مدينة وإمارة ثقافة ومثقفين من دون ذكر الدكتور أحمد جلال التدمري . هو واحد من كبار مؤسسي العمل الثقافي في بلادنا . أسهم في تأسيس أول دائرة إعلام، وأسس أول مركز للدراسات والوثائق، وبينهما أصدر وترأس تحرير مجلة “رأس الخيمة” . سيرة التدمري حافلة بالعمل المتقن الرصين، وبالإنتاج المهم . التدمري، وهو العربي، مواطن إماراتي حتى النخاع، كما يقال، وجهه وحضوره مقبل وإلى الإقبال وإن رحل، وكأنه يستريح قليلاً حتى يعود إلى عمله كثيراً .
وطوال العقود الماضية، عمل أحمد التدمري في صمت . درس المكان وتاريخ المكان، وأحب المكان وتاريخه ودافع عنهما، وعندما احتلت إيران جزر الإمارات الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، دافع عن جزر الإمارات باستبسال المقاتل، وفي دفاعه كان علمياً ودقيقاً، وفي الوقت نفسه، كان مخلصاً وصادقاً وأصيلاً . انطلق من المحبة فكتب تاريخاً من الحنين، وقبض على الجغرافيا كما يقبض الحريص على قلبه والجمر، وغلف السياسة بغلاف شفاف من الأمل . مؤرخ أمل هو، وعندما جاء خبر موته ليل السبت/ الأحد، تخيلت الأمل نائماً في تابوت .
ومن ميزاته النادرة اشتغاله على قضايا ساخنة وحساسة في هدوء المتصالح مع نفسه ومع الزمان . الهدوء مع الثقة، والعمق مع المثابرة، والتقاط الومضات الذكية وكأنه مصور لحظة الحياة .
لكن لقطته الأخيرة كانت مع لحظة الموت . وقف إلى جانب موته كما وقف إلى جانبي في معرض الشارقة للكتاب، وفي الزاوية البعيدة نصب التاريخ كاميرته الأسطورية . وكان الضوء شديداً وساطعاً . ضوء أحمد التدمري الذي حمله معه من بيته في خزام إلى قبره في النخيل .