كان ل(س) سكرتيرة حسناء من بلاد الضباب وكانت العلاقة بين الاثنين علاقة صداقة أكثر منها علاقة صاحبة عمل بسكرتيرتها، وكانت الفتاة اللندنية عادة ما تستضيف (س) في بيتها عندما تذهب إلى لندن.

بدأ (ر) قليل الاهتمام بزوجته وبيته وعندما سألته زوجته عن ذلك أخبرها بأن البنوك ترفض تمويل أي صفقة لشركته، وأن الأمور في السوق ليست على ما يرام، هنا اقترحت عليه أن يبيع بعض الفلل التي يمتلكها في أماكن سياحية في العالم، لكنه رفض بحجة أن أسعار العقارات متدنية، فما كان منها إلا أن قامت بتحويل مبلغ كبير من حسابها إلى حسابه.

علاقة حب قوية تلك التي جمعت بين (ر) و(س)، فقد تعرفا على بعضهما البعض منذ وقت طويل وبات الكل من أفراد العائلتين يعرف عن العلاقة.

وأخيراً توجا قصة الحب هذه بزواج أسطوري كانت حفلة زفافه لا تصدق، فقد جاءت الزهور من باريس بطائرة خاصة، فالعريس هو الوحيد لأسرته الثرية جداً، وكذلك أسرة العروس لا تقل ثراءً عن أسرة العريس، ولأول مرة يمتد شهر العسل لأكثر من أربعة أشهر، فقد كان العريس يمتلك عدة فلل في مدن (كان) و(رماربيلا) و(شي أون ليك) وغيرها من الأماكن المشهورة في العالم.

العودة إلى العمل

بعد انقضاء شهر العسل عاد (ر) إلى شركته التي يمتلكها والده، أما (س) فقد بدأت في مباشرة عملها، حيث تمتلك محلاً لأرقى أنواع العطور الباريسية والماكياج وغيرها من أدوات الزينة. ورغم أن الزوجين لا يلتقيان إلا على الإفطار صباحاً وعلى العشاء بعد الثامنة مساءً إلا أن ذلك لم يكن عائقاً أمامهما، فقد كان كل واحد يقدر ظروف عمل الآخر، خاصة وأن الاثنين في السوق ويعرفان طبيعة العمل الخاص لكل منهما.

بعد نحو ستة أشهر بدأت (س) تشعر بأنها حامل وأصبحت مراجعتها للعيادة الخاصة أمراً شبه يومي، أشاع هذا الخبر فرحة كبيرة خاصة عند (ر) الذي سيصبح بعد أشهر قليلة أباً، أما (س) فقد كانت فرحتها لا تُقدر.

أصبح تردد (س) على محل العطور والماكياج الذي تمتلكه في أشهر الفنادق في المدينة قليلاً جداً، فقد باتت تهتم بصحتها وبصحة الجنين أكثر من أي شيء آخر.

في هذه الأثناء طلبت (ر) من زوجها أن يذهب عندما تسنح له الفرصة ليتفقد محل العطور والماكياج الذي تمتلكه، وشيئاً فشيئاً بدأ يتابع العمل هناك، إضافة إلى عمله في الشركة التي يملكها.

عندما اقترب موعد الولادة حجزت (س) مكاناً لها في إحدى المستشفيات الخاصة في لندن، حيث أنجبت مولودها الأول. كان ل(س) سكرتيرة حسناء من بلاد الضباب وكانت السكرتيرة هي التي تقوم بكل شيء بالنسبة إلى (س)، فقد كانت صديقة أكثر من سكرتيرة، فكثيراً ما قضيا أوقاتاً معاً وتناولا الطعام في الفنادق معاً، حتى إن (س) كانت في كثير من الأحيان تأخذ صديقتها اللندنية هذه معها لتنام عندها في الفيلا بعد يوم عمل طويل قضياه معاً، فقد كانت العلاقة بينهما أكثر من رائعة، وبالطبع فقد كانت الفتاة اللندنية عادة ما تستضيف (س) عندما تذهب (س) إلى لندن كما أن تلك الفتاة هي التي رتبت ل(س) الحجز في المستشفى للولادة، كما أن والدي الفتاة اللندنية كانا يزوران (س) في المستشفى للاطمئنان عليها ومعرف احتياجاتها، لذا فإن العلاقة كانت ليست علاقة سكرتيرة بمديرة بل صديقة بصديقة.

قطيعة وجفاء

بعد عودة (س) من رحلة الولادة، ذهبت إلى المحل الذي تمتلكه لكنها تفاجأت بأن المحل طاله الكثير من الإهمال، فلم يعد يليق بزبائنه ولا بالفندق الضخم الذي هو فيه، لذا دار عتاب بين (س) وصديقتها اللندنية وكان لهذا العتاب أن يمر، فكثيراً ما يحدث العتاب بين الأصدقاء أو زملاء العمل أو بين الرئيس ومرؤوسيه أو صاحب العمل وموظفيه.

إلا أن المفاجأة التي أزعجت (س) هو أن سكرتيرتها والتي تعتبرها صديقتها ردت على ملاحظاتها بجفاء واضح وزاد النقاش بينهما حدة عندما قالت لها السكرتيرة اعتبريني مستقيلة فقد أصبح العمل معك مملاً. هنا ردت عليها (س) بكلام قاسٍ، ثم انتهى النقاش بأن قامت السكرتيرة بتسليم (س) المفاتيح التي معها.

ظنت (س) بأن المشكلة ستكون عابرة وأن الفتاة اللندنية ستعود إليها بعد أن تهدأ، لكن شيئاً لم يحدث بل على العكس من ذلك فقد تسلمت (س) رسالة نصية على هاتفها النقال من السكرتيرة تقول فيها بأنها في المطار في طريقها إلى بلادها، وتطلب منها أن تضع مستحقاتها ومرتب آخر شهر عملته معها في حسابها، عندما ذهبت (س) لجرد مخزن العطور والماكياج وجرد المحل وجدت بأن كل شيء كما هو وليس هناك أي شيء ناقص، لذا قامت بإيداع المبلغ المستحق للسكرتيرة في حسابها وانتهى كل شيء، فالسكرتيرة غادرت بدون كلمة وداع و(س) منعها كبرياؤها من أن تتصل بالسكرتيرة لتطلب منها أن تعود للعمل معها.

ورغم أن ذلك كان صعباً على (س) لأن تفقد سكرتيرتها التي هي بمثابة صديقة طيبة معها، إلا أنها بدأت تنسى الموضوع كله، فقد شغلها ابنها عن كل شيء حتى عن نفسها وعن زوجها وعن عملها.

مرت الأيام وأنجبت (س) طفلها الثاني وأصبح اهتمامها بالمحل الذي تملكه قليلاً، إضافة إلى ذلك فقد ضاعف الفندق أجرة المحل الذي لم يعد كما كان في السابق، حتى الزبائن الذين كانوا دائمي الشراء لم يعودوا كما كانوا.

من جانب آخر بدأ (ر) قليل الاهتمام بزوجته وبيته وعندما كانت زوجته تسأله عن ذلك كان يخبرها بأن البنوك ترفض تمويل أي صفقة يريدها وأن الأمور في الشركة والسوق بشكل عام ليست على ما يرام.

هنا اقترحت عليه (س) أن يبيع بعض الفلل التي يمتلكها في أماكن سياحية كثيرة في مدن العالم، لكنه أخبرها بأن أسعار العقارات هي الأخرى متدنية، وأنه فكر في ذلك لكنه تراجع عندما عرف بأنه سيخسر نصف الثمن تقريباً في كل فيلا، هنا عرضت (س) أن تعطيه مبلغاً من المال ليتم الصفقات التي يريدها لشركته، ورغم أن (ر) تردد في البداية إلا أنه لم يجد من ذلك بداً، خاصة وأن زوجته قامت بتحويل مبلغ كبير من حسابها إلى حسابه.

بدأت الأمور تتحسن مع (ر) وكان بالطبع دائماً يعزو هذا التحسن لزوجته التي لم تبخل عليه بالمال في ساعة العصرة، لكن (ر) بقي بعيداً عن بيته وأسرته، وهكذا كانت تشعر (س) حتى أعياد ميلاد ابنيه لم يعد يهتم بها أو يحضرها.

ظنت (س) بأن هناك امرأة أخرى في حياة زوجها، ألا أنها استبعدت ذلك، فكل تصرفاته لا تشير إلى أن هناك سيدة أخرى في حياته عدا أنه يتأخر في الحضور إلى البيت، حيث عزت ذلك إلى طبيعة وظروف السوق والأزمة المالية التي لم يبق أحداً إلا وتأثر بها.

أبعدت «س» كل هذه الأفكار عن رأسها وبدأت تفكر في شيء واحد، وهو السفر إلى لندن لتنجب مولودها الثالث الذي شارف على القدوم، فقد أنجبت المولودين السابقين في لندن، وكذلك يجب أن يكون الثالث.

استدعاء إلى مركز الشرطة

بينما كانت «س» تستعد للسفر، اتصل بها زوجها طالباً منها أن تتصل بأحد المحامين ليحضر إلى مركز الشرطة، حيث إنه محجوز هناك.

استغربت «س» ذلك، فكيف ولماذا يُحجز زوجها في مركز الشرطة وهو صاحب المكان الرفيع والسمعة الطيبة والأسرة الكبيرة والثرية والعريقة.

طلبت «س» من والدها أن يتولى الأمر وأن يخبرها بما يجري، ذهب والد «س» إلى مركز الشرطة ومعه المحامي، حيث كان «ر» محجوزاً بتهمة القتل وإخفاء الجثة.

شكل الخبر صدمة لكل من سمعه خاصة «س» فمن غير المعقول أن يُقْدِم زوجها على هذا العمل، وبالطبع من جانبه أنكر «ر» معرفته بهذا الأمر، كما أنكر التهمة الموجهة إليه جملة وتفصيلاً.

وطلب المحامي من الضابط الذي يتابع القضية السماح له بأخذ «ر» معه خارج الحجز مقابل كفالة مالية كبيرة، إلا أن الضابط رفض ذلك قائلاً إن التحقيقات لم تنته بعد.

كان هذا أسوأ خبر سمعته «س» في حياتها، حيث قامت بالاتصال بكل معارفها وعلى أعلى المستويات، إلا أن «ر» بقي محجوزاً على ذمة التحقيق، بل تم تجديد حجزه إلى أربعة أيام أخرى بتهمة القتل وإخفاء جثة القتيلة. خلال التحقيق، تم إخضاع «ر» إلى جهاز كشف الكذب، حيث أشار الجهاز إلى أن «ر» يكذب، كما أفاد الطبيب، بلغة الجسد الذي كان يتابع التحقيق.

كان السؤال الملح الذي يسأله الضابط ل«ر» هو: أين أخفيت الجثة؟ وكان الجواب بأنه لا يعرف عن الأمر شيئاً، وأخيراً جاء والد «ر» وهو شخصية لها اعتبارها في المجتمع وبدأ يهدد ويتوعد قائلاً إنه سيعقد مؤتمراً صحافياً يكشف فيه ألاعيب ضابط الشرطة.

كان والد «ر» قادراً على أن يخلط الأوراق، وكاد الضابط أن يضعف أمام تلك الضغوط التي تُمارس عليه وأن يفرج عن «ر»، إلا أن تقريراً من المختبر الجنائي جاء ليغير كل شيء، فقد جاء التقرير ليقول إن الصوت المسجل على الهاتف النقال هو نفس الصوت الخاص ب«ر».

أصبحت الأمور واضحة الآن، وطلب الضابط من «ر» أن يعترف أين وضع الجثة، مؤكداً أن عدم تعاونه سيزيد وضعه تعقيداً. وفي الوقت نفسه كانت الضفادع البشرية تبحث في البحر عن الجثة، لكن الأمر كان صعباً للغاية، لأن مساحة الشواطئ كبيرة وواسعة، لذا كان الأمر يتطلب أن تتم مراقبة المياه حتى تطفو الجثة على سطح البحر، وهذا يعني الانتظار لمدة قد تطول أو تقصر، وقد لا تظهر الجثة أبداً، فقد تجرفها التيارات البحرية إلى أماكن بعيدة.

جاء الضابط بصوت «ر» المسجل على الهاتف النقال، وبدأ في تشغيل المسجل، وعندما بدأ «ر» يسمع صوته على المسجل، جنّ جنونه، وقال للضابط: أين حصلتم على هذا التسجيل، فهو غير حقيقي وليس صحيحاً، فالصوت غير صوتي.

بدأ «ر» يصرخ ويقول: أنتم تريدون تدميري وتدمير شركتي وسمعتي، لأنني منافس قوي لبعض التجار أصحاب النفوذ في السوق. لكن الضابط كان مصراً على أن يعرف الجواب عن سؤاله وهو: أين ألقيت الجثة؟

الانهيار

بدأ «ر» ينهار وهو يرى أن جهود والده وإصراره على الإنكار لم تجد نفعاً، وأخيراً قال للضابط إن الجثة لا تزال في اليخت الذي يملكه وأنه لم يتخلّص منها بعد.

وأضاف: بدأت القصة عندما ذهبت زوجتي إلى لندن لإنجاب طفلها الأول، حيث بدأت في الذهاب إلى محل العطور الذي تملكه، حيث توطدت العلاقة بيني وبين سكرتيرتها التي أسرتني بجمالها، وكان شرطها كي تصبح صديقتي أن أفتح لها محلاً مماثلاً للمحل الذي تمتلكه زوجتي، وفعلاً فتحت لها اعتماداً كبيراً في البنك، وقامت باستيراد نفس العطور والمكياج الذي تستورده زوجتي، كما استأجرت لذلك محلاً ضخماً في أحد الفنادق ذات النجوم السبع.

ليس هذا فقط، بل إنه بحكم معرفتها لزبائن محل زوجتي، قامت بالاتصال بهم وبدأت تعرفهم على محلها الجديد، ولم تكتف بذلك، بل طلبت مني أن أضم إلى المحل محلاً آخر وهو كوافير للسيدات، ودفعت لذلك مبلغاً كبيراً من المال أخذته من أموال زوجتي.

وأضاف: لكنني لاحظت أنني عندما أذهب إلى زيارتها في شقتها الفخمة التي دفعت إيجارها وأثثتها بأفخر الأثاث من مالي ومال زوجتي، كنت أجد لديها شاباً من جنسيتها، وعندما سألتها عنه، قالت إنه قريبها، لكنني بدأت أشك في أنه صديقها. وفعلاً تأكد لي ذلك عندما وضعت جهاز تسجيل تحت السرير. وعندما كاشفتها بالحقيقة اعترفت بأنه صديقها وأنه يريد الزواج منها.

وقال: هناك فقدت صوابي، فكيف تضيع أموالي هكذا وينعم بها شخص آخر، وأنا الذي تعبت فيها، لذا قررت أن انتقم منها وأن أقتلها. وفي أحد الأيام دار بيننا شجار عنيف، ضربتها ضرباً مبرحاً، لذا لم تعد تجيب عن اتصالاتي، وأصبحت حالتي النفسية سيئة للغاية وأنا أراها تنعم بمالي مع رجل آخر.

وأكمل «ر» اعترافه قائلاً: في أحد الأيام أرسلت لها رسالة على هاتفها النقال أعتذر لها فيها عمّا حدث مني، وطلبت منها أن تسامحني، ودعوتها إلى عشاء على اليخت، إلا أنها رفضت. وعندما ألححت عليها، وافقت على أن تراني فقط دون العشاء، لأنها مرتبطة بموعد عمل. وعندما حضرت طلبت منها أن تجلس لمناقشة الأمر، وعرضت عليها الزواج على أن تترك ذلك الشخص، لكنها قالت إنها تحبه ولا تريد الزواج مني، وعندما طلبت أن أستعيد مالي، قالت إنها لن تعيد لي شيئاً، وأن كل البضاعة والفواتير وعقد الإيجار كلها باسمها.

وهنا لم أتمالك نفسي، حيث قمت بضربها بسكين في صدرها، ثم تابعت ضربها حتى ماتت لأنها تستحق الموت، فقد أخذت مالي ودمّرت حياتي وتريد الزواج من شخص آخر.

بعد أن اعترف «ر» بكل شيء، قال له الضابط إن المرأة عندما ذهبت إليك أخبرت صديقة لها بذلك، وعندما بدأت الحديث معها، كان هاتفها النقال مفتوحاً، حيث كانت صديقتها تسجل كل الحديث الذي دار بينكما، وأن صديقتها هي التي أبلغتنا بذلك وسلّمتنا الشريط، فقد كانت المرأة خائفة من أن تغدر بها وتقتلها، لذا أبقت هاتفها النقال مفتوحاً لتعرف صديقتها كل شيء يدور بينكما.

تم إخراج الجثة من اليخت ونقلها إلى المختبر الجنائي، أما «ر» فقد تم ترحيله إلى المحكمة بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.