بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :
فمن صفات المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في كتابه العظيم [كظم الغيظ ]
قال الله تعالى : " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : " إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه، وعَفَوْا مع ذلك عمن أساء إليهم "من تفسيره ( 2 / 119 )
وثبت في السنة النبوية المطهرة التحذير من صفة الغضب ، وهذا يدل على كمال شريعتنا الغراء فما من شرٍّ إلا وحذرت الأمة منه وما من خيرٍ إلا وحثت الأمة عليه ، واليوم الدراسات الطبية تُثبت خطورة الغضب وأنه سبب لأمراض كثيرة كالضغط ونحوه ، ولم يدرك بعضهم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من صفة الغضب منذ صدر الإسلام
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: " لاَ تَغْضَبْ " فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: " لاَ تَغْضَبْ "
أخرجه البخاري
وجاء في حديث آخر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ: " لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّةُ "
أخرجه الطبراني في الأوسط وصححه الألباني كما في صحيح الترغيب
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ "
أخرجه البخاري ومسلم
ومما يُستفاد من هذه الأحاديث :
أولا : أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير ، فهو يجر إلى تقاطع الأرحام وتفكك الأُسر، بل رُّبما أدى إلى التقاتل وسفك الدماء ، فهو مفتاح كل شر ومجاهدة النفس لتركه جمعٌ لخيري الدنيا والآخرة ، وقد جاء في بعض روايات الحديث عندما قال له النبي صلى الله عليه وسلم " لَا تَغْضَبْ " قالَ : الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ . أخرجها الإمام أحمد وصححها الألباني كما في صحيح الترغيب
ثانيا : الغضب من طبيعة البشر و المراد هو النهي عن الأسباب التي توصل إليه، وعدم الأخذ بها، وكذلك الآثار التي تترتب عليه .
ثالثا : الغضب المذموم ما كان لأمور الدنيا أما الغضب لدين الله فهو أمر محمود ، فعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ:" مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّه "
أخرجه البخاري
رابعا : حرص الصحابة رضي الله عنهم على ما ينفع وعلى كل خير يفيدهم في دينهم ودنياهم .
ثم إن هناك أموراً ثبتت في السنة النبوية المطهرة من عمل بها زال عنه الغضب بإذن الله تعالى ودونكم هذه الأمور :
أولا : الاستعاذة بالله من الشيطان
عن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رضي الله عنه قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ ، وَأَحَدَهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا ، لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ ، لَوْ قَالَ أَعُوذ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم ".
أخرجه البخاري ومسلم
ثانيا : السكون
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا: " إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ " أخرجه أبو داود وصححه الألباني
قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : " قد قيل : إنَّ المعنى في هذا أنَّ القائم متهيِّئ، للانتقام والجالس دونَه في ذلك ، والمضطجع أبعدُ عنه ، فأمره بالتباعد عن حالةِ الانتقام " جامع العلوم والحكم ص : 146
ثالثا : السكوت
قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ " أخرجه أحمد وصححه الألباني كما في الصحيحة
قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : " وهذا أيضاً دواء عظيم للغضب ؛ لأنَّ الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليهِ في حال زوال غضبه كثيراً من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه " جامع العلوم والحكم ص : 146
رابعا : احتساب الأجر والفضل الذي أعده الله لمن ترك الغضب
وكما جاء في الحديث السابق : " لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّةُ "
عنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ "
أخرجه أبو داود وحسنه الألباني
خامسا : الدعاء
فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام : " وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا " أخرجه البزار وصححه الألباني
قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : " وهذا عزيز جداً ، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي ، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول "
جامع العلوم والحكم ص :148
سادسا : التأسي بهدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وخلقه الكريم
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَة، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ " أخرجه البخاري
عن أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلَّا صَنَعْتَ " أخرجه البخاري
تأمل أخي المسلم هدي وخُلق الرسول عليه الصلاة والسلام في تعامله مع الناس ، وتذكّر دائماً وأبداً قول الله تبارك وتعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " .
هذا والله أعلم
إعداد :
صاحب القلم