النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: "كيمياء النرجس" لأدونيس نموذجاً

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    "كيمياء النرجس" لأدونيس نموذجاً

     

    النزعات الفلسفية في الشعر المعاصر

    "كيمياء النرجس" لأدونيس نموذجاً







    عن الذات والعالم والوجود والعدم والمصير والزمان... من خلال القضية أو (الثيمة) أو (الحالة) التي يجسدها في قصيدته. فقد يجسّد الشاعر حالة حب أو ثيمة التضحية أو قضايا الحرب والسلم، والوفاء والغدر، والموت والحياة، والنجاح والفشل... ثم يبثّ في ثنايا القصيدة رؤاه الفكرية ومواقفه الفلسفية من هذه الحالات أو القضايا أو الثيمات التي يطرحها.




    شغلت قصيدة أدونيس (زهرة الكيمياء) المراوغة المبهمة الغنية بإحالاتها ودلالاتها وصورها المبتكرة الدارسين كثيراً. فقد تناولها عشرات النقاد والباحثين بالتحليل والتأويل والتشريح لاكتشاف دلالاتها ورؤاها المقنعة والمتخفية في ثنايا مفرداتها وصورها وإيقاعاتها وبنياتها الإشكالية المدهشة. ولم يتفق النقاد على رأي أو رؤية واحدة، ولا على تفسير أو تأويل متشابه أو حتى متقارب، مثلما لم يتفقوا على موقف واحد من الإعجاب بالقصيدة أو التبرم منها، فالشاعر (وكذلك شعره) لدى بعضهم مدّع منتحل مبهم، ولكنه لدى بعضهم الآخر عبقري مجدد متفرد مبدع.




    بين المادحين والقادحين للقصيدة الأدونيسية مساحات كبيرة يمكن للدارس أن يتحرك فيها... مع النظر إلى رؤى النقاد المختلفة المتضاربة التي لا بد أن تضيء جانبا من جوانب القصيدة إن سلباً أو إيجاباً. وسوف ترصد هذه القراءة ظاهرة حداثية متطورة في الشعر المعاصر وهي ظاهرة الترميز الثلاثي في الصورة الشعرية، حيث تشير أو تحيل الصورة الحاضرة إلى ثلاثة رموز غائبة... تتكامل كلها في لوحة شعرية متآلفة متسقة لتقدم رؤية عميقة للأشياء من ثلاث زوايا تسند كل زاوية الأخرى، أو ثلاثة أبعاد يكمل كل بعد الآخر.




    تتجلى ظاهرة الترميز الثلاثي بشكل جمالي عميق متقن في قصيدة أدونيس (كيمياء النرجس) ، حيث يقول:




    “المرايا تُصالح بين الظهيرة واللّيل،


    خلفَ المرايا


    جَسَدٌ يفتح الطّريقْ


    لأقاليمهِ الجديدهْ


    في ركامِ العصورْ


    ماحياً نجمةَ الطّريقْ


    بين إيقاعه والقصيدهْ


    عابراً آخر الجُسورْ


    ...


    ... وقتلتُ المرايا


    ومَزْجتُ سراويلَها النّرجسيهْ


    بالشّموسِ، ابتكرتُ المرايا


    هاجساً يحضُن الشّموسَ وأبعادها الكوكبيه”



    إن أدونيس يتجاوز في شعره بعامة، وفي قصيدة (كيمياء النرجس) بخاصة الترميز الأحادي المألوف في الشعر العربي، قديمه وجديده، فهو يكثّف رموزه وينوّعها بحيث تأتي ثنائية أو ثلاثية في القصيدة الواحدة. وتبدو ثلاثية الرمز جلية في (كيمياء النرجس) ، حيث يستحضر ثلاث إشارات أو إحالات أو مفردات وهي: الكيمياء والولادة والقصيدة لتجسد كلها بسياقاتها المختلفة/المؤتلفة فكرة القصيدة الرئيسية وهي عملية الإبداع الشعري أو كيمياء القصيدة الشعرية بأبعادها الفنية والفكرية الإبداعية.




    فمن عنوان القصيدة يبدأ أدونيس إشارته أو إحالته أو مفردته الرمزية الأولى لتجسيد عملية الإبداع الشعري، فالقصيدة عملية كيميائية تمتزج فيها عناصر مختلفة لإنتاج عنصر جديد. ويقابل هذه العناصر الكيميائية التي تتمازج في المختبر عناصر القصيدة الشعرية التي تتكامل وتنتظم وتنسج في ذهن الشاعر لتشكل قصيدة جديدة. فعناصر القصيدة الجديدة اللغوية والفكرية والتصويرية والإيقاعية تشبه العناصر الكيميائية المختلفة التي شكّلت عنصراً جديداً.



    إن اختيار أدونيس للكيمياء معادلاً موضوعياً أو رمزاً للقصيدة ليس للشبه الذي ذكرناه بين ميكانزم العمليتين: الكيميائية والشعرية وحسب، وإنما لفكرة أعمق وأشمل يراها أدونيس وهي وحدة الوجود، الطبيعي منه والمبتكر. وهذه الرؤية للوجود تلحّ على أدونيس منذ قصيدته الشهيرة (زهرة الكيمياء) التي أربكت النقاد بإيحاءاتها الغامضة، حين طرح فيها فكرة وحدة الكون، حيث الزهرة تجسد الوجود الطبيعي، والكيمياء تجسد الوجود المكتشف أو المبتكر. وتعود أهمية هذه الرؤية إلى علاقة الإنسان بوجوده حيث عليه أن يتحد أو يتعايش أو يوازن بين طبيعته ومبتكراته، أو بين مادياته وغرائزه وجسده من جهة، وبين روحانياته وقيمه وأفكاره، من جهة أخرى.




    لكل هذا يحشد أدونيس إشاراته ومفرداته عن ( الكيمياء والنرجس والمرايا والولادة والليل والنهار والنجوم والزمان والكواكب والشموس...).فهو يشكل لوحة ذات ألوان متعددة ولكنها متناغمة ومتزامنة ومتكاملة تختصر وتحيل إلى الوجود كله. وكان استحضار (الكيمياء) الرمز الأول أو الإشارة الأولى لتكمل هذا الوجود وتوحده، طبيعياً كان أم صناعياً، مادياً كان أو روحياً.



    أما اللوحة الثانية أو الإشارة الرمزية الثانية في القصيدة فهي لوحة الولادة، حيث تحيل إلى فكرة القصيدة الرئيسية وهي تشبيه مراحل الولادة بمراحل ولادة القصيدة، مثلما تحيل أيضا إلى رحلة المولود الجديد/القصيدة الجديدة في هذا الوجود أو العالم الذي لا يحد، يقول:




    جسد يفتح الطريق


    لأقاليمه الجديدة


    هذا الجسد/المولود/القصيدة...وكذلك العنصر الكيميائي الجديد ستأخذ مكانا /حيزا /حياة /وجودا جديدا في هذا الكون/ العالم...ثم يبدأ رحلته (للأقاليم والأزمان والطرق والجسور ) الجديدة.



    الحياة الجديدة للمولود أو للقصيدة، بمفهوم أدونيس، تعني وجودا جديدا مبتكرا مستقلا، ليس/ليست تكرارا أو استنساخا أو تقليدا لما سبق، وإنما (مخلوق) جديد مختلف...حر في اختياره وفي مفاهيمه وفي فكره، حتى لو كان الأمر متعلقا باسمه الذي لم يكن باختياره، ولذا فإنه (يكسر مراياه القديمة) التي ليست من صنعه ولا اختياره، ثم (يبتكر مراياه) الخاصة به، التي هي محض اختياره وقناعاته، ليكون مسؤولا عنها (كما يرى سارتر).




    والمقارنة أو المعادلة هي نفسها في الشعر، فالقصيدة (مخلوق) جديد مبتكر، أو هكذا يجب أن تكون، لكي تتجاوز ما سبق وتضيف جديدا، وتبتكر وجودها وحياتها و(مراياها) المميزة، الخاصة بها، يقول:



    ... وقتلتُ المرايا


    ومَزْجتُ سراويلَها النّرجسيهْ


    بالشّموسِ، ابتكرتُ المرايا


    هاجساً يحضُن الشّموسَ وأبعادها الكوكبيّهْ


    إن أدونيس يطوي الأمس حين يبدأ اليوم الجديد، فالأمس لا يمكن تغيير أيّ جزء منه أو إلغاء أصغر حدث فيه، ولذا وجب طيّه، ووجب النظر إلى اليوم، الذي سيصبح غدا أمس آخر، بوصفه زمنا جديدا تماما لن يشبه الذي سبقه أبدا.ومثل ذلك المولود الذي لن يشبه أحدا أبدا...ومثلهما القصيدة التي (يجب) ألاّ تشبه ما سبقها أبدا أيضا.




    إن (كسر المرايا) و(ابتكار مرايا ) جديدة، كما يرى أدونيس، هو حتمية الانتقال من الأمس إلى اليوم، لا الموت والتعبّد والتحنط في الماضي، وإنما في تجاوزه وكسره، وصنع وابتكار حاضر أو مستقبل أجمل منه وأعظم، يكون فيه الانسان والفكر والفن والشعر قد اخترق أو تخفف من نرجسية الماضي، واقتحم أو ارتقى العلياء والخلود حاضنا شموس الكون ومضيئا وجه الوجود والحياة والإبداع.




    إن لوحة (كيمياء النرجس) قد انطوت على ألوان متناغمة، وعلى صور شعرية يكمل بعضها بعضها الآخر، مثلما جسّدت الرؤية الأدونيسية للشعر الحداثي الذي استحضر لهذه الرؤية رموزا ثلاثة أو (معادلات موضوعية ثلاثية) هي: الكيمياء والولادة والقصيدة لتشريح وتفكيك وتوضيح تشكل أو تفاعلات العملية الشعرية المعقدة وإبداع أو ولادة القصيدة المبتكرة الجديدة.


    د. أحمد الزعبي
    جامعة الإمارات
    * نقلا عن دار الخليج،،

  2. #2
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: "كيمياء النرجس" لأدونيس نموذجاً

    يعطيج العافيه اختي ع الطرح

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: "كيمياء النرجس" لأدونيس نموذجاً

    شاكرة ارتشافاتكــ الادبية هنا،،
    دمت بنقاء،،

  4. #4
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    دار القواسم=
    المشاركات
    13,119
    معدل تقييم المستوى
    279

    رد: "كيمياء النرجس" لأدونيس نموذجاً

    لج الشكر موصول اختيه
    ع الموضوع
    تقبلي مروري المتواضع
    لا تحاصر نفسك بالسلبيات ولا تحطم روحك بالحزن والاسى ..
    استفد من فشلك وعزز به تجربتك ..
    توقع دوما الخير ولو صادفت الفشل ..

  5. #5
    عضو فضى الصورة الرمزية انسان عادي
    تاريخ التسجيل
    30 - 5 - 2008
    المشاركات
    1,424
    معدل تقييم المستوى
    69

    رد: "كيمياء النرجس" لأدونيس نموذجاً

    يسلموووو ع الطرح الجميل
    [flash=http://dc07.arabsh.com/i/01458/ihzpokjnxy0e.swf]WIDTH=450 HEIGHT=150[/flash]

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 2 - 9 - 2009, 02:11 PM
  2. """""""""""أطباق مغربية وشهية مرة لذيذة الاثنين, 12 نوفمبر, 2007"""""""""
    بواسطة ahmedmecanic في المنتدى مجلس ما لذ وطاب
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 26 - 8 - 2009, 07:37 AM
  3. موضوع جديد"""""""سلطة جزر بالثوم"""""""""""
    بواسطة ahmedmecanic في المنتدى مجلس ما لذ وطاب
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 20 - 4 - 2009, 06:37 PM
  4. مشاركات: 24
    آخر مشاركة: 2 - 1 - 2009, 02:09 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •