عيد لعشاق الكلام أحاديث عن جلجامش ونجيب محفوظ
د. عطارد حيدر/جامعةاكسفورد
تم اختتام الدورة السنوية لمهرجان تشلتنام المسرحي الذي يعقد في أكتوبر من كل سنة في بريطانيا وهو أقدم مهرجان أدبي في العالم.
تم تأسيسه عام 1949 وشهد الكثير من التغييرات السياسية في بريطانيا والعالم فتغيرت بنيته وتعددت نشاطاته واتسعت شعبيته ولكنه بقي محافظا على زخمه ورسالته الأساسية في دعم الكتب والكتّاب وتوسيع جمهور القراءة. تم اعتبار مهرجان السنة استنائيا لأنه يؤرخ للعيد الستين لهذا المهرجان ولهذا فقد حمل شعار «نظرة للوراء ونظرة للأمام: الاحتفاء بالماضي والمستقبل» ودعا القراء إلى مراجعة العقود الستة الماضية وتقييمها والتناقش حول الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ وحياة الناس خلالها ثم محاولة استشراف ما يحمله المستقبل للمجتمعات الإنسانية حول العالم». حضر المهرجان وشارك فيه مئات المشاهير من الكتّاب والمفكرين والفنانين والنقاد والناشرين ونجوم الفن والمجتمع القادمين من شتى أنحاء العالم بالإضافة إلى وسائل الإعلام والجمعيات الأدبية ودور النشر والمكتبات. تمت المقارنة في الخطب بين مهرجان 1949 الذي تضمن برنامجه تسعة نشاطات وحضره عدة مئات تحت إدارة مدير واحد وبين مهرجان 2009 الذي أداره عشرة مدراء والذي تضمن برنامجه 440 نشاطا وحضره أكثر من مائة ألف شخص.
غطت الندوات وورشات العمل موضوعات لا عد لها في الأدب والتاريخ والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس وناقش الروائيون والكتّاب والشعراء الحضور في شتى الأمور بما فيها آخر الأخبار في عالم الطب والبيئة والقانون وقضايا الانتخابات، والتسلح العسكري والأزمة المالية العالمية، وخاصة ما أثار الجدل منها وكان حديث الشارع مؤخرا. وكعادته يفرد المهرجان دوما مساحة لكل هذه المناقشات إلى جانب محاوره المركزية وهي الاحتفاء بالشعر والأدب وسرد الحكايا وأحاديث التسلية والترفيه.
في الممرات وتحت الخيام والمظلات الكبيرة يقابل المحظوظون كتابهم المفضلين فيلقون عليهم التحية. وفي غرفة الكتّاب المفتوحة طوال اليوم والتي كانت تقدم شرابا مجانيا كان مشاهير الكتابة يمرون لملء كؤوسهم والدردشة مع قرائهم ومعجبيهم وكان الغرباء يتكلمون ويتناقشون ويتصادقون مخالفين قواعد التعارف الانكليزية الصارمة، وقد يتمشون معا في الردهات التي تعرض الكتب أو في الممرات المشجرة تحت شمس الخريف الذي جاء دافئا هذا العام. في كلمتها الافتتاحية، شجعت سارة سميث مديرة النشاطات الفنية في المهرجان الناس على الإصغاء لكتّابهم في الحوارات والندوات وقالت: «أحيانا.. هناك لحظات يوجه فيها أحد ما سؤالا لكاتب تجعله يقول شيئا خاصا.. وهذا يجعلك ترى عمله كله من منظور جديد».
كان هناك أيضا برامج تضمنت قراءات لقصائد أوفصول روائية قدمها شعراء وروائيون بمرافقة ممثلين وعازفين مما خلق أبعادا جديدة لأعمالهم، وتمت تأديتها في أماكن مختلفة وكان بعضها في قاعة العشاء حيث الأشربة والأطباق العالمية والورود والشموع تحتفي معا في مهرجان الحواس. في النشاط المسمى «العربة السوداء» والتي ترمز إلى القهوة، تجمع عشاق الأدب كل يوم عند الساعة الخامسة في أحد المقاهي العديدة المتناثرة في ساحة المهرجان لارتشاف قهوتهم وهم يستمعون إلى أحد الكتّاب وهو يلقي مقاطع من عمل أدبي شهير برفقة بعض المؤدين. تم افتتاح النشاط برواية «عاشق السيدة تشاترلي» لـ د. هـ. لورنس حيث قام أحد الكتّاب بسرد مقاطع الحب في الرواية برفقة ممثل وعازف.
في النشاط المسمى «سرد الحكايا» يتحدث الكتّاب عن حياتهم وكتبهم والأحداث التي عايشوها خلال أسفارهم، ومشاهداتهم حول العالم، وفيها يتحول الكاتب إلى حكواتي محترف يلهب خيال القاعة المشدودة إلى كلماته بينما يرتشف قهوته أو نبيذه على مهل. تم تخصيص ندوات خاصة في سرد الحكايا للكتّاب الأجانب الأفارقة والهنود والأوربيين الشرقيين.
في ندوات الأحاديث دارت نقاشات كثيرة عن أهم الأحداث خلال القرن الماضي ودارت إحدى الندوات عن أن العالم يتحرك في عصرنا بسرعة أكبر مما سار به زمن أسلافنا، حيث استخدم أجدادنا حجر الصوان زمانا أطول مما استخدمنا فيه التليفون اليدوي، وتساءل أحد الحضور إن كان الأدب المنشور في الدوريات الإلكترونية سيبقى كما بقيت ألواح الفخار التي حفظت ملحمة جلجامش. علق أحد الكتّاب قائلا: لقد اختفت أقراص الكومبيوتر المرنة بعد سنوات قليلة من ظهورها وحل محلها القرص المدمج لكن جلجامش، القصيدة الملحمية الرافدية وأقدم كتابات الإنسان الأدبية مازالت بين يدينا الآن، قصة الإنسان الذي تعلم التواضع من خلال هبات الحب والصداقة وعانى من الإحساس بفنائه وحاول إيجاد دواء له.. قصة لن تموت ولن يتعب الإنسان من سردها مادام حيا. تمت إعادة إنتاج الحكاية في روايات كبرى كان آخرها رواية كورماك ماكارثي، الطريق «2006». قاد الحديث إلى تبادل آراء حول التراث الأدبي العالمي وتحدث بعض الحضور عن «المستذئب» العمل الأدبي الأنجلوساكسوني الذي بقيت منه مخطوطة وحيدة محروقة الأطراف نجت من حريق شب في القرن الثامن عشر، وتساءل الحضور: إن كان أدب الماضي قد نجا بالصدفة فما هي الكتب التي ستبقى بعدنا!! وقال أحد النقاد الحاضرين أن القراء الإنكليز لا يقرأون الكثير من الكتب المترجمة إذ أن 3% فقط مما ينشر في بريطانيا مترجم عن لغات أخرى، ومع ذلك فإن كتبا مثل ثلاثية نجيب محفوظ تركت علامة في تاريخ الترجمة والنشر وكذلك في أذهان جمهور القراءة.
تضمن المهرجان عرضا مسرحيا مونودراميا للممثلة إل كينيدي عن الأدب والكلمات والمهرجانات. حفل العرض بالأمثولات والعبر السياسية التي تم تمريرها بشكل رهيف وخاطف ووجه انتقادا حادا لنظام جورج بوش وحربه على الإرهاب. دارت مادة العرض حول مديح الكلمات والتنبيه إلى قدرتها الجبارة في الحياة العادية وفي السياسة وذلك مع الإشادة بجمالها أيضا باعتبارها أداة للتعبير عن الحب وإطلاق الخيال. أما خاتمة العرض فكان فحواها عن أن المهرجانات الأدبية هي عن الناس الذين يحبون الكلمات وعلى حبها يتجمعون.
إحدى النشاطات الرئيسية التي تضمنها المهرجان هذه السنة هو التصويت الشعبي الذي أدلي فيه الناس بأصواتهم خلال صيف 2009 حول أفضل رواية نشرت خلال عمر المهرجان وذلك إجابة على سؤال: «ما هي روايتك المفضلة من السنوات الستين الماضية». تضمنت القائمة التي أعلنت أثناء المهرجان روايات معروفة للقارئ العربي وأخرى عرفنا كتابها عبر سيرهم وكتبهم الأخرى مثل: ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين لجورج أورويل «1949»، سيد الذباب لويليام غولدنغ «1054» لوليتا لنابوكوف «1955»، دكتور جيفاكو لبوريس باسترناك «1957»، الكتاب الذهبي لدوريس ليسنغ «1962»، بيت الأرواح لإيزابيل الليندي «1982»، ألف شمس رائعة للكاتب الأفغاني خالد حسيني «2007»، الغريب الصغير لسارة ووترز «2009» بالإضافة إلى كتب لغراهام غرين وسيلفيا بلاث وستيفن كينغ وبورخيس وجون إيرفنغ وبن أوكري ومارغريت أتوود. وتلا إعلان القائمة نقاش طويل حول أهمية التلقي الشعبي ودور الاعتراف الجماهيري بالأعمال الأدبية في تشكيل نجاحها وإخفاقها.
* نقلا عن الثــــــورة السورية،،
الملحــــق الثقافـــــي،،