شجرة الكتاب
حسام ميرو
وحدها المعرفة تُخلص للحرية، ووحده الكتاب يضم ذاكرة البشرية، تلك المملوءة بالفرح والحزن، بالإخفاقات والانتصارات، وبإرادة الإنسان ووعيه بالكون، ووحدها الكلمات تتحدى الصمت، وتقول إنه ثمة أمل في الآتي، ذاك الذي نحتاجه هواء لحياتنا .
هوذا معرض الشارقة للكتاب يدخل دورته الثامنة والعشرين مكملاً مسيرته في نشر المعرفة، وهو الذي ضم في دورته الأولى 53 داراً عربية للنشر، وهو اليوم يضم المئات من الدور وعشرات الآلاف من العناوين، وانتقل من معرض محلي إلى معرض عربي وعالمي، بالإضافة إلى احتضانه الاتحاد العربي للنشر الإلكتروني مواكبة لثورة التقانة والاتصالات، التي فرضتها آليات العولمة في سياق التحول إلى اقتصاد المعرفة .
إن عودة بسيطة إلى أرشيف المعرض كفيلة بأن تكشف مدى الجهود التي بذلت عبر ما يقارب ثلاثة عقود لتطويره من دورة إلى أخرى، والحرص على استضافة فعاليات مهمة على أجندة النشاطات المصاحبة، من أمسيات ومحاضرات، وندوات نقدية وفكرية، حتى إن أرشيف المعرض يكاد يضم معظم أبرز المبدعين والمثقفين العرب، وهو ما يؤشر إلى تلك الاستراتيجية التي انبنى عليها، والرؤية التي يقف عليها، وهي رؤية مخلصة لحركة النهضة ومشروعها التنويري، ولمفرداته الفكرية والمعرفية في ظل عالم أصبح أكثر حاجة للنور، ولضوء الشمس، ذاك الذي يشرق عبر المعرفة أياً كانت مصادرها .
هنا في الشارقة اجتمع صناع الكتاب العرب، وهم أيضاً صناع قرار، فمن يقرر طبيعة المعرفة يوجه مسالك الحياة ودروبها، ولهذا فلا بد هنا من تسليط الضوء على الاهتمام اللامحدود الذي يوليه المعرض لدعم كتاب الطفل، كتابه العلمي والأدبي والفني واللغوي والتربوي، وهو ما شجع الكثير من دور النشر العربية للتنافس على الدخول في صناعة كتاب الطفل، بوصفه رمزاً ودلالة على ما سيكونه الغد، والغد بهذا المعنى لا يعود فضاء مجهولاً، وإنما مساحة للفعل، ومساحة للوعي، ومساحة لاحترام وعي الأجيال المقبلة، وتمثل حاجاتها وضروراتها .
أيضاً في السياق ذاته ثمة اهتمام بالكتاب التراثي عبر مختلف المؤسسات وخاصة الإماراتية منها، التي تحتضن المبادرات النشرية التراثية، وإعطاء الأولوية للمادة التراثية التي تؤصل للذاكرة من دون أن تستنفدها في الفلكور، وإنما في سياق التطور الطبيعي للحياة البشرية وحواضنها الاجتماعية والاقتصادية، وبكل ما فيها من ثقافة أبدعتها مخيلة الإنسان، كي تبقى عبر الاحتفاء بها عبر الأجيال، ودراستها لفهم الصيرورات والكينونات في خضم التحولات الكبيرة التي عرفها الوطن العربي .
إذاً، هي الكلمة منتسبة إلى شجرة الكتاب، والكتاب /الكون، والكتاب/الإنسان، والكتاب/الأمل، والكتاب . . احتفاء بالقول، وانتصاراً للعقل، وانحيازاً لنبل المخيلة البشرية .
هكذا يعود المعرض فرصة لاستحضار رمزيات الكتابة منذ أن انطلقت الأبجدية الأولى، ليست فقط أبجدية الحروف، وإنما أبجدية التعبير، تلك التي لا تحدها الأمكنة، والتي تتجاوز الزمان .
* نقلا عن دار الخليــــــج،،