«فيلــــــم أســـــــود»رواية تكشف كواليس الحرب العالمية الأولى
* الثورة السوريــة
نستطيع القول إنه على امتداد القرن الماضي تربعت السيرة الذاتية على عرش الأعمال الأدبية من سير العظماء والمشاهير إلى الملوك وجنرالات وساسة كبار وعلماء وشعراء وصولاً إلى الجواسيس ونجوم الطرب والغناء.
وإذا أغفلتهم دور النشر في إحدى طبعاتها فإنها لا تلبث أن تستدرك الأمر في مرحلة لاحقة على غرار ما فعلت دار الآداب اليونانية المعاصرة التي تناولت في أحدث إصداراتها سيرة أغنى أغنياء العالم، صاحب النفوذ الواسع في عوالم البحار والسلاح والحروب باسيل زاهاروف الذي احترف التجارة البحرية في أعلى مستوى لها، وفي أهم موقع عرفته أعالي البحار.
زاهاروف الشخصية التي تحركت في الظل وقادت دولاً أوروبية مغمورة إلى حافة الهاوية من جهة، وإلى المجد السياسي من جهة أخرى، فاختارها الأديب اليوناني ديمتري ستيفاناكيس لتكون بطلة روايته «فيلم أسود» نشرت مطلع العام الحالي باللغة اليونانية ثم ترجمت إلى الفرنسية وصدرت في حزيران الماضي عن دار فيفيان.
تعود الرواية إلى الأحداث التي هزت القارة العجوز عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 كما فعل الروائي فاسيلي كوس الذي عاد في روايته «z» إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتناول السيرة الذاتية لمناضل عمالي سعت الاستخبارات الفرنسية لتصفيته في وضح النهار إثر تظاهرات قام بها أنصاره في باريس آنذاك إضافة إلى قصص اغتيالات وفضائح تجسس.
وتدور رواية «فيلم أسود» عند أحداث لم يكشف عن أسرارها ومن يقف وراء تحريك حبالها إلا بعد مرور أكثر من مئة عام على أحداثها وبصعوبة بالغة.
وبعد استنجاد الروائي بعشرات الوثائق التاريخية المحفوظة في أرشيف المكتبة الوطنية في أثينا حيث تغوص في تفاصيل قصة حب عاصفة استمرت 37 عاماً بشكل سري احتفظ بها شريط ذكريات الجاسوسية البريطانية والفرنسية واليونانية، وقد انغمست في مضاربات بطل الرواية وهو شخصية ساهمت في تحريك أحداث الحرب العالمية الأولى التي انطلقت من سراييفو عام 1914 عندما أعلنت النمسا الحرب على صربيا وروسيا القيصرية ثم شن ألمانيا اعتداءات عسكرية على تلك الأخيرة وعلى فرنسا وبريطانيا العظمى.
في تلك الأجواء يستعر حب غير متكافئ بين رجل فاحش الثراء يبلغ من العمر أربعين عاماً وفتاة قاصر تدعى ماريا لا يتجاوز عمرها 14 عاماً قدمتها مربيتها هدية لتاجر المدافع اليوناني باسيل زاهاروف الملقب كورتشاكوف وليامسون، حين التقى هذا الثنائي ليلة شتاء باردة في مقصورة الشرق السريع أثناء سفر ماريا مع مربيتها للاقتران بابن عم ملك اسبانيا المتخلف عقلياً، غير أن زاهاروف المخادع المتزوج مرتين نجح في اقتناص النبيلة ماريا لتقوم بينه وبين تلك المراهقة علاقة استمرت سنين طويلة تمكن بعدها - أشهر تجار المدافع كما أطلقت عليه وسائل الإعلام الغربية- من إعلان زواجه منها عام 1924.
وتتوقف فصول الرواية كثيراً عند ذكريات هذا الحب الذي يروي عنه متمرد اسباني تابع تلك الفضيحة منذ بداياتها واطلع على تفاصيلها وذلك على مسامع صحفي فرنسي يتحدث باسم الروائي ديمتري.
هذا ويرى النقاد في رواية «فيلم أسود» لوحة تاريخية ذات إسقاطات معاصرة لأنها تربط بين علاقات وليامسون المشبوهة مع عملاء الجاسوسية في كل من أثينا واستانبول وبين من وقع في فخ تاجر المدافع المراوغ، إذ استطاع هذا التاجر خداع حكومات الدول الغربية دون استثناء وباع لكل منها غواصة من نوع نورد نسيلت تحتاج لإصلاحات وصيانات كبيرة وقد حصد من تلك الصفقات أموالاً لم تكشف أرقامها حتى الآن إلى جانب إسهامه مع عصابات تهريب الأسلحة ومافيات المصارف في تخريب صفقات مدافع رشاشة من نوع مكسيم منافسة لتلك التي يبيعها للحلفاء والأعداء معاً.
ومن المعروف أن المدفعية كانت السلاح البطل خلال الحربين العالميتين رغم دور الطائرات في حسم المعركة لكن تلك الصفقات التجارية التي جاءت بعتاد حربي حديث في ذلك الزمن ضاعفت من ثروات الأغنياء خلال الحربين المذكورتين، ويأتي زاهاروف في مقدمة هؤلاء الأثرياء الذين عاشوا في لندن ومقاهي باريس وكواليس مسارحها التي كانت تحييها المغنية سارة برنارد الناشطة في عمليات الجاسوسية.
بعد ذلك يشتري زاهاروف أكبر حصة في صحف الفيغارو وصدى باريس والصاندي تايمز ليشكل امبراطورية إعلامية.
لقد جمع في شخصيته طريقة أوناسيس في الإقبال على الحياة واسلوب الملياردير الأميركي كراب المحتال في جني الأموال وأخلاقيات بطل أوسونيوز المدعوكين.