بقلم :مريم سالم عادة ما ينشغل الرأي العام في مختلف دول العالم بقضايا الفساد والمفسدين في الأرض، وذلك تعلقا بمبادئ الشفافية التي تتعالى الأصوات لممارستها وجعلها جزءا لا ينفصل عن عملية واسعة لمحاربة الانهيار الأخلاقي في مجال العمل الإداري والمالي ولا سيما السياسي.

ولقد تابع بعضنا المهتم أعمال المنتدى العالمي لمكافحة الفساد وحماية النزاهة، الذي عقد في الفترة الماضية في دولة قطر، والذي كان يشي بكثير من التفاصيل التي تظل تتجدد، كلما تم طرح أو مناقشة مثل هذه الموضوعات الحساسة، خاصة وأن الوطن العربي الكبير بيئة خصبة لكل من يريد أن يبحث في معطيات الفساد، أو حتى العوامل المؤدية لخلق مناخ صحي ينمو فيها وينتعش. وليس مبالغة إذا قلنا إن حال الأمة العربية المتردي سياسيا واقتصاديا، هو إحدى نتائج الفساد الذي تفشى ونخر عظام الشعوب، وجعلها تتردى في الفقر المدقع والأمية المفرطة، والإحباط الدائم.

وبنظرة عامة على هذا المنتدى الذي نادى بقيم الشفافية، وبإقامة مشروع متناغم بين القطاعين العام والخاص قد يؤدي إلى توحيد المصالح ويدعم الصفوف لمواجهة أي فساد محتمل، وكما نبه سمو أمير دولة قطر الشقيقة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإن «إخفاق الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدول في توفير الحد الأدنى من الحقوق السياسية والرعاية الاجتماعية والمستوى اللائق من العيش الكريم لمواطنيها، قد يصبح الحديث عن مكافحة الفساد ترفا لا يجد آذانا صاغية»، وهنا مربط الفرس.

فالمنتديات التي تعقد هنا وهناك وتطالب وتدعو إلى محاربة الفساد، أصبحت للأسف مجرد «فاترينات» لعرض البضائع الكاسدة، ولكن بطريقة جذابة وممتعة للناظرين. فحتى الآن لا يمكن القول إن مشروع محاربة الفساد في العالم العربي، قد حقق أهدافه التي ظلت الحكومات تنادي بها وتتغنى.

وللأسف فإن أفشل المشاريع وأكثرها فسادا، هي مشروعاتنا السياسية التي تظل تفرض على شعوبها سياسات الأمر الواقع، وأصبح بعض الحكومات يمارس قمعا واضطهادا وتكميما للأفواه وامتهانا لحقوق الإنسان، أكثر مما تفعله أمريكا في غوانتانامو.

ولعل جوهر عملية محاربة الفساد، هو محاربة فساد الهرم السياسي بالضرورة، وإلا تبقى عملية محاربة الفساد هي سياسة الكيل بمكيالين. فالمعايير الحقيقية التي يجب أن ننطلق منها كي نوظف مفهوم «ثقافة النزاهة» كما يتم تداولها هذه الأيام، هي نفسها التي حددها سمو أمير قطر في افتتاح المنتدى، ويمكن أن نضيف عليها كثيرا من المعايير التي تستجد يوميا.

والتي يمكن أن تسهم في رفع مستوى شرعية تلك الحكومات التي تظل تحكم شعوبها دهرا، دون أن تصل حتى إلى شرعية الإنجاز التي يمكن أن تحقق نسبة ولو ضئيلة من رضى الفرد، الذي يعيش وتطوى صحيفته دون أن يتمتع بحياة تحفظ له كرامته وتوفر له العيش الرغيد.

وإذا كنا على يقين أن الشعوب العربية تتفاوت من حيث الرضى والقناعة بحكوماتها، فإن النسبة الأعم هي التي ترزح تحت خط الكفاف، ولعل بعضها يتعرض في الفترة الأخيرة لانتفاء عنصر الأمن والأمان، إلى جانب زيادة عدد ضحايا الذين تزهق أرواحهم في مسلسل يومي بغيض يظل يدفعهم إلى الكفر بالحياة، وعدم الإيمان بنزاهة حكوماتهم.

«ثقافة النزاهة» التي نريدها ونحث عليها، ونربي أبناءنا عليها ونطالبهم بممارستها، تتطلب دعما كبيرا من قبل المجتمع، فلا يمكن أن نتبنى أفكارا عظيمة ولا نتجاسر في الوقت نفسه على تطبيقها. وكم من فساد يستشري في المجتمع ولا يتمكن أصحاب النزاهة من محاربته أو حتى التفوه بوجوده.

النزاهة اليوم هي الضمير المغيب قسرا، ومن أسف أن ازدواجية النظرة إلى الأمور هي السائدة في هذه الأيام، فما تراه فسادا قد يراه غيرك قيما عصرية وحرية شخصية! لذلك يصعب تصنيف الفساد وتوصيفه، فقد رأينا أن الفساد الذي تمت مناقشته والتركيز عليه، هو الفساد المالي والإداري والذي قد يشكل مفصلا في هيكل ضخم وشائك.

وفي حقيقة الأمر فإن هناك مشروع قانون عربي نموذجي لمكافحة ظاهرة الفساد في الدول العربية يتضمن أكثر من 55 مادة، يسعى لمكافحة الفساد والوقاية منه وتحديد جرائم الفساد وملاحقة مرتكبيها ومعاقبتهم، وتعزيز النزاهة وإعمال مبدأ الشفافية في القطاعين العام والخاص، وإعمال مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة، والحد من ظاهرة الواسطة والمحسوبية التي تلغي حقا أو تحقق باطلا، وحماية المال العام والخاص، واسترداد الأموال والعائدات الإجرامية المترتبة عن الجرائم المشمولة بهذا القانون، وتعزيز التعاون العربي والدولي في الإجراءات القضائية المتعلقة بتلك الجرائم.

ويظل هذا المشروع، كغيره من المشروعات العربية المشتركة، قابلا للتحريك والتفعيل أو التجميد. وقد تسري هذه القوانين على البعض في حين تسقط عن البعض الآخر، وذلك لدرجة قربه أو بعده من مواقع النفوذ. ولا تزال الشعوب التي عانت من فرط الظلم تنتظر تطبيق العدالة، نتيجة الفساد أو الإهمال والاستهتار بأرواحهم.

فاحتراق قطار هنا أو غرق باخرة هناك، أو انهيار مبنى، هي تلف للأرواح غير مستشعر، وكلها تسجل تحت بند القضاء والقدر. لكن سيدنا عمر بن الخطاب كان ينظر لمثل هذه الحوادث من زاوية أخرى، فالناقة التي تتعثر في العراق تبكيه وتنتزعه من نفسه، لأنه يظن موقنا أنه مسؤول عن عثرتها أمام الله، وحتى المرأة التي مزجت الماء باللبن، كان حريا به رفع الظلم عن نفسها وعن الناس.. أين نحن من عقليته العادلة ومنهجيته في زمن يدعي بمحاربة الفساد؟

كاتبة إماراتية