وَجْها دولار واحد
مقال الاستاذ خيري منصـور
* دار الخليج
كان الشاعر الأمريكي وايتمان يسخر من الدولار ويقول عنه إنه سرق لونه الأخضر من العشب، وأحياناً يفرط في السخرية فيقول إن الدولار منديل ورقي مناسب لفصل الشتاء والإصابة بالزكام . أما الكاتب الأمريكي همنغواي فكان يصف العناوين الكبرى والاستعراضية بأنها ورقة من فئة الألف دولار وهي غير قابلة للصرف .
مناسبة هذه التداعيات هي الطريقة التي استقبل بها الأمريكيون مذكرات جورج بوش عندما كان يوقع كتابه في حفل انقسم الحاضرون فيه إلى مؤيد وشاجب، فثمة أمريكيون قالوا إنهم مدينون لبوش كونهم يقفون آمنين في صالة توقيع الكتاب، مقابل آخرين رددوا هتافات مضادة لبوش وسياسته وما تسبب به من قتل وتشريد الملايين من البشر في حروب غير مبررة وإن كانت شرعيتها قد لفّقت دولياً بأثر رجعي وبعد وقوع تلك الحروب وليس قبل اندلاعها .
إن لأمريكا شأن أي بلد في الكون أكثر من وجه واحد، والبشر فيها ليسوا وجهي دولار واحد، وهذا ما نقرأه في الصحف ونشاهده على الفضائيات، ففي أمريكا مثقفون كتبوا ضد إدارات بلادهم ما لم يكتبه أحد آخر، بحيث قال بعض المؤرخين الجدد إن نيويورك تحولت إلى عاصمة للهجاء بعد قصائد كورسو وكتابات ميلر ومقالات تشومسكي، إضافة إلى ما كتب عنها من خارجها كالقصيدة الشهيرة التي حملت اسم نيويورك للشاعر والرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سنغور .
ولعلّ الأمر يتخطى المصادفة أن تعرض إحدى الشاشات في اليوم ذاته، الذي شهد توقيع مذكرات بوش وانقسام الحضور حولها، عيّنات من حوار دار بين عرب وغربيين عن ثقافة الإقصاء والطرد التي امتاز بها الغرب ذو الأوهام المزمنة عن تفوقه العرقي، وازدادت بعد أحداث سبتمبر/أيلول الأمريكية عام 2001 .
فقد قالت سيدة مسلمة تعيش في الغرب إن هناك من سمحوا لها أن تصلي في غرفة مخصصة للموسيقا، ومنهم من حاول أن يدلها على القبلة، وأضافت أنهم أطفأوا الآلات الموسيقية وخرجوا تاركين لها المجال لممارسة عقيدتها، لكن بالمقابل روى مهاجر مسلم كيف ارتدّت يده اليمنى خائبة بعد أن رفض زملاؤه في العمل مصافحته . وهذا الملف ليس جديداً إذ طالما قيل إن الغرب ليس غرباً كله وكذلك الشرق والشمال والجنوب، فأمريكا وايتمان وإمرسون ليست أمريكا رامسفيلد وبوش، كما أن بريطانيا شكسبير وبرتراند راسل ليست بريطانيا تاتشر وبلير، لهذا يجب علينا العثور على مقتربات ثقافية موضوعية ونحن نطرق هذه الأبواب كي لا ينشطر العالم إلى لونين فقط هما الأبيض والأسود أو يتورط بثنائية الملاك والشيطان والشر والخير التي بشر بها جورج بوش الابن فردّ عليه أمريكيون وأوروبيون قبلنا قائلين إنه يعتدي بهذا الفكر الثنائي الجامد على كل ما أنجزته الحضارة الغربية من جدلية بدءاً من أرسطو حتى هيغل .
وقد يستغرب البعض إذا عرفوا أن أهم الردود المنطقية والأكاديمية على أطروحات مثل “نهاية العالم” و”صراع الحضارات” جاءت من معاقل فكرية وأكاديمية في أوروبا ذاتها، لهذا اتهم الألمان والفرنسيون فوكوياما بأنه حاول أن يختطف الفيلسوف هيغل ويلوي عنقه، والندوة التي عقدت قبل عامين في دبي تحت عنوان “اختطاف هيغل” وشارك فيها عدد من المثقفين العرب والألمان تمحورت حول هذه النقطة بالذات .
أخيراً سيبقى العشب عشباً والدولار دولاراً كما قال وايتمان .





رد مع اقتباس