على هامش معرض بيروت الدولي للكتاب
إبراهيم محمد إبراهيم يُدهش الجمهور البيروتي

دولة الإمارات رحمة الزعابي، أقيمت أمس الأول أمسية أحياها الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم .
الطقس كان عاصفاً ولكن ذلك لم يمنع صاحب “صحوة الورق” من أن يملأ القاعة بدفء قصائده القائمة على مزج عناصر إنسانية وتأملية وفلسفية في بنية شعرية سلسة وواضحة وقادرة على خلق حالة إنصات كاملة .
ألقى الشاعر قصائد جديدة غير منشورة، معظمها منجز بطريقة تميل إلى الاقتضاب والمحو أكثر من الاستطراد والثرثرة، وهو طموح شعري يستهدف إنجاز نص لا يقوم على التهويم البلاغي أو الإفراط في اللغة والصور المجانية . . كل كلمة هنا موظفة في سياق المعنى والإيقاع، ثمة معجم قوي إلى جانب مهارات عالية في تطويع المفردات واصطياد الصور والاستعارات المدهشة . هكذا كان صاحب “الطريق إلى رأس التل” يفاجئ الحاضرين بقدرته على التعاطف مع نبرته الشعرية التي تربت في كنف الوزن والايقاع، واحتكّت باقتراحات الحداثة والنثر، من دون أن تتخلى عن ماضيها اللغوي الخصب ورصيدها العروضي الثري .
استمعنا في الأمسية إلى قصائد تذهب إلى مواضيع مختلفة، ولكن يجمعها الهم الانساني . أحياناً تكون القصيدة قصيرة ومقتضبة كما لو أنها ومضة، كما هي الحال في قصيدة “الراعي”: “أنا الراعي/ وأنت الذئبُ يا هذا/ فأين الكلبُ والأغنام؟”
أو في قصيدة “استرسال”:
“تحت زخٍّ من الياسمين/ أفاق الحبيبان/ فاستسلما للبياض وللعطر/ واسترسلا في البهاء” .
من الواضح أن هناك طموحاً فلسفياً ووجودياً داخل السؤال الذي تطرحه هذه القصيدة المشعة بمعناها السهل والممتنع في الوقت نفسه . ثمة رغبة في ابتكار المعنى بأقل ما يمكن من اللغة . وأحياناً كانت القصيدة أطول قليلاً، ولكن الطول هنا لا يشتِّت المعنى المشع داخل السطور، كما في قصيدة “كان هنا نهر”:
“كان هنا نهرٌ/ وعلى ضفته قومٌ/ وبهائم ترعى/ كان هنا شجرٌ/ وعصافيرُ/ وريحٌ،/ حين تهبُّ،/ تميل الأغصانُ/ على الأغصان/ وأشرعةٌ بيضاءُ/ تخطُّ على النهر قصائدَ/ تمحوها الريح/ كان هنا غيمٌ/ حين يمرُّ ولا يبكي،/ نبكي/ كان هنا/ ليلُ/ ونجومٌ تعرفنا بالأسماء/ ونعرفها/ كان هنا نهرٌ” .
القصيدة ترسم مشهداً تشكيلياً فاتناً، ولكن الشاعر لا يغفل عن دسِّ أسئلة ومقاصد كثيرة في المشهد . القصيدة مديحٌ لأمكنة أولى وطفولة بعيدة . مديحٌ بروح رثائية تستعيد الماضي فيلمع في خيال الشاعر الذي يدعو المتلقين إلى ممارسة مماثلة في ذاكراتهم .