العام الأعجف
خيري منصـور
* دار الخليج
ليست الأعوام وحدها ما يقبل التصنيف، فالقرون أيضاً أخضعها المؤرخون لصفات أطلقت عليها، فالقرن التاسع عشر هو قرن الأيديولوجيا، والقرن العشرون قرن القوة الغاشمة بسبب حربين عالميتين، وثمة أطول قرن في التاريخ وأقصر قرن أيضاً وكان القرن الماضي هو الأقصر في التاريخ لأنه بدأ مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانتهى مع نهاية الحرب الباردة .
العام الذي ودعناه قد يوصف في التاريخ بأنه عام أعجف، قَدرَ تعلق محاصيله الشائكة والدامية بنا نحن العرب، فما سال من دماء على امتداد خطوط الطول والعرض لتضاريس العرب تجاوز منسوبه ما سال خلال عقد من الزمن، ويكفي أن نتذكر أن متوسط عدد القتلى في العراق وحده بلغ أكثر من خمسين قتيلاً يومياً، ولم يكن الحال أقل دموية وسوءاً في سوريا .
العام الأعجف ليس ما يجف فيه الزرع والضرع، ويعمّ فيه الجوع، فما أُنفق خلال العام الماضي من أجل القتل وعلى تجارة السلاح يكفي وحده لإغاثة قارة منكوبة، لهذا هناك معايير أخرى غير اقتصادية لإطلاق الأسماء أو الصفات على السنين، وليت العام الذي أغمضنا أعيننا وأسدلنا الستارة على آخر لياليه كان عام جوع أو جفاف فقط، لأنه كان عاماً مُبللاً بالدماء، وما سال منه ينافس ما سال من زيت الشجر وماء المطر، لكن الأعوام لا تبدأ وتنتهي تبعاً لتقاويم صارمة، ومنها ما يتمدد ليقضم أعواماً لاحقة، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى القرون حين يزحف أحدها على ما يعقبه ويشمله بظلاله وأصدائه .
لم يكن عام نزيف فقط، بل كان أيضاً عام افتراق وهجاء وإقصاء مُتبادلين بين كل الأطراف، بحيث يبدو الجميع مُذنبين إذا احتكمنا إلى حاصل جمع ما يقولون .
وهناك أعوام يودعها الناس بالشموع الدامعة أو بباقات الياسمين، لكن عامنا الذي جرّ ساقيه بتثاقل كما لو كان مطعوناً في الظهر لا يليق به غير البنفسج، لأنه خَلّف وراءه من الأرامل والأيتام ما يفوق عدد أيامه ولياليه بمئات الأضعاف .
وحين تعانق العقربان في لحظاته الأخيرة، لن يبدأ يوم آخر تعتذر شمسه الشتائية الخجولة عن كل ما جرى فيه .
في العام الأعجف لا يكون وداع الأجراس بالرنين المعهود، فثمة جرح وبحة في أصوات الكنائس بدءاً من المهد المستباح، ومن تلك المغارة الخضراء التي يرشح الدم الرسولي من جدرانها .
وقد يقول البعض إن كل الأعوام التي مرت خلال عقدين كانت عجافاً، لكن المسألة نسبية، والقياس لا يكون عشوائياً أو لمجرد المقارنة بين حزن عابر وآخر مقيم . إن العديد من عواصمنا تودع العام 2013 ذا الرقم الذي يتشاءم منه الناس وهي متشحة بالحداد، بحيث لا يهنئ الناس بعضهم بعضاً بصوت مسموع، فالهمس لا يفتضح الخوف فقط، بل يفتضح الحناجر المحتفية والألسنة المكشومة .
ولأن الإنسان يخسر شهوته للحياة وتشل إرادته إذا فقد الرجاء، فإننا على الرغم من كل شيء نأمل في مجيء نهار جديد يعلن العصيان على هذا الظلام .





رد مع اقتباس