قالت لي: أنا الحياة
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج


قال لها إنه يربي الخيول، ويطعمها عسلاً، ويجعل من صهيلها خيوطاً من الحرير، والأبيض من الخيل أقرب إلى قلبه، وقال إن حصاناً وحيداً يقف بالقرب من شجرة أو نبع ماء يأخذ بقلبه، كما تأخذ بالقلب لوعة الحب.


وقال لها إنه يقطع النهر الواحد مرتين، ولا يؤمن بما يقوله هيراقليطس، فالفلاسفة بشر، والبشري يخطئ ويصيب، لكن يقينه دوماً أن الماء هو الذي يصنع مجرى النهر، وكذلك الدموع تصنع مجراها على وجه الانسان من أعلى إلى أسفل. وقال إن كثيراً من دموعه سقطت في آنية من الفخّار وهو يتأمل حكاية الطين الذي صار بحنان النار مزهرية أو كأساً أو طبقاً مطروحة فيه الأزهار.


وقال لها إنه يحبها..


.. وان وجهها صورة عن اكتمال القمر وسط الشهر، لكنه قال أيضاً إن الانسان ليس في حاجة إلى القمر، فالأرض هي أم البشر، وعلى الأرض تتشكّل الأوطان ويتزوج الشجر ويضحك الماء في الينابيع. خبز الانسان على الأرض وليس على القمر، وقال لها إنه مع ذلك يحب وجهها القمري الذي يضحك كالماء ويتدوّر في قلبه كالوطن.

وقال لها إنه يطعم النرجس شيئاً من قلبه. فالجوع واحد وله أسنان تقطع الحجر وتقطع القلب أيضاً. وعندما تجوع شجرة فكأنما تجوع امرأة، وقال لها إنه لو كان الجوع رجلاً لقتله، مع أنه يرتجف حتى لو قتل بعوضة، فمن هو لكي يقتل؟ من هو لكي يحارب، واساتذة القتل والحرب يدورون حول الكرة الأرضية كما يدور القاتل في الليل حول بيت الضحية؟


وقال لها إنه يطرّز لها شالاً مرة كل عام. فما الذي يفعله بكل هذا الحرير المسكوب في تويجات الورد؟ ما الذي يفعله بكل هذا القماش الذي تحوّل من وظيفة الثوب إلى وظيفة اليافطة والدعاية.


وقال لها إنه لم يندم على شيء في حياته إلا مرة واحدة، وذلك عندما خرج من ذاته ولم يعد إليها إلا وهو عاشق أو طريد.. منفي في نفسه ومدفون تحت دموعه.


قال لها: لا تبتعدي كثيراً في خيالك، فكل الذي قلته لك إنما أفعله في الكتابة لا في الحياة.

قالت له: أنا الحياة.