الصّبر طيب



*جريدة الخليج


شيخة الجابري


قالتها بقلب الإنسانة، المؤمنة، الصابرة، الباحثة عن أمان، تلك المرأة الثمانينية ربما والتي تنوء بحمل السنين الطوال، حتى فاجأتها السنون العجاف: لا مطر، لا عشب، لا ماء، لا مدى للتنفس، سوى ذاك الكرسي وفراغ يأخذها نحو المتسع من القلق، والشاسع من الخوف من الأيام وما أدرانا ما الأيام؟ تلك التي جعلت من سيدة كريمة تصل إلى مستوى فقد النفس، لأنها فقدت الأمان الذي تتمنى.


تحمل العمر عصاً ووجعاً، ظهرها الذي كساه الوقت بالتحدّب صار شيئا ثقيلاً ألِفَ انكسارها، كما ألِفَت رعونته وتشبثه بها حد الاعوجاج النابت بين ضلعي أنثى، وأيّ أنثى تلك المعتلّة كحرف ألفٍ عابرٍ في جملة منسيّة، حين الوقت تناساها، والأيام أخذتها حيث لا تدري أين تسير، وما المصير.


خطوتها ثقيلة، وئيدة، تمشي بكبرياء العارف بما يحمل في داخله من وجع، ومن شعور بالوحدة، وبأنه كالمنبت رغم اتصاله، وكالمتصل رغم انفصاله، لاشيء حولها سوى ابتسامة عابرة، ودمعة ماكرة خبيئة تتدحرج على شموخ أنثى حين "يضوي" الليل وتصير وحيدة، وحيدة، إلا من نسيم يعبرُ لينبش جرح السنين، ويمضي، ريح تأكل ماتشاء في طريقها للتبعثر.


سيدة الصبر تلك، لاتعرف إلا أن تقول: شكراً، لكل شيء، وممتنة كطولها الذي ضربته الأيام فعصفت به ظهراً يحيطه العجز، وتصير كأي شيءٍ على طرف مقعد تكتب حكاية نجاحها ذات وقت، حين قالت: حين كنّا نخدم الوطن، كنّا نذهب إليه أبناء بررة كراماً.


سيدة الوجع هي، سيدة العمر الآيل إلى ذبول، الذاهب حد العمق إلى نحول، حين تتحرك تشعر بأنها كعصا ستتكسر، وأنت تغني لها: يا أمّ قد قال الصباح حكايته، وغنى نزار لامرأة السّكر، وصباحاته المعجونة بالاشتياق، ذاك الشعور الذي لم يتبقَ لكِ شيء منه، خلا الحكايات العتاق، وسر الفتاة التي لعِبت بها الغربة والاغتراب، وحين عادت نزّ من حولها ألف جرحٍ وصدى.


تلك السيدة الجميلة، الكبيرة في صبرها، لاتريد شيئاً من الدنيا سوى السّتر، فهي لا تقبل بالمعونة، ولا تستجدي، إنها فقط تروي حكايتها التي عنوانها الصبر طيّب، والله على كل شيء قدير.