اشتباكات محظور تفكيكها

خيري منصور

* دار الخليج




التشبيهات المتكررة لما يحدث في عالمنا العربي، سواء كانت من طراز كُبة الصوف التي تعبث بها قطة متوحشة، أو برج بابل لا تُعفي النخب من محاولة فك هذه الاشتباكات بين السياسي والتربوي والاقتصادي والثقافي، لأن هذه الأبعاد هي من صميم كل الظواهر، حتى لو لم تظهر على السطح . ومَنْ مكثوا عقوداً يتحدثون عن التخلف نادراً ما خرجوا عن نطاق التوصيف، وهو أمر ميسور حتى للهواة، لهذا فالمقاربات التي تُوهم الناس بأن ما يحدث الآن هو نبت شيطاني ومفاجئ تفتقر إلى الرؤى والجذرية في قراءة التاريخ .

وما يجري في عالمنا أو أيّ عالم آخر هو نتاج وإفراز عضوي لثقافات وممارسات استمرت عقوداً وأحياناً استمرت قروناً .

ورغم أن هناك من رواد النهضة العرب في القرن التاسع عشر من تحدثوا عن الاستبداد بشكل منهجي وبنيوي، ومنهم الكواكبي من رأى فيه نظاماً بديلاً ومضاداً، إلا أن ما كُتب بقي في باطن الكتب ولا تُخْرَج عيّنات منه إلا في مناسبات سرعان ما تنطفئ أنوارها ويُسدل الستار .

ونستغرب أحياناً كيف يتخطى البعض بضعة قرون من الهيمنة والاستبداد والتجهيل أدت إلى تفاقم الأميّة في عالمنا العربي، وحدث خلالها انقطاع معرفي عن العالم، واتسعت الفجوة خلالها بين العرب والعالم، بحيث أصبح الجيل الراهن مطالباً بتسديد مديونيات حضارية وثقافية قد تكون أقسى من أي ديون اقتصادية . لكن الناس يميلون إلى فهم ما يرون نتائجه بالعين المجردة كالاقتصاد، بينما تتطلب رؤية المديونيات العلمية والحضارية قدراً من التجريد الذهني .

فهل أصبح الآن فك الاشتباكات مطلوباً بين قضايا متداخلة ومشكلات سياسية تائهة بين المحلي والإقليمي والدولي؟

المطالبون بالإجابة عن مثل هذه الأسئلة هم مئات الباحثين في معاهد استراتيجية ذات تكاليف باهظة، لكنها شبه عاطلة عن العمل لكثرة الخطوط الحمر والمحظورات .

فالكلام في أي بلد عربي يجب أن يكون مجاله الحيوي بلداً آخر، تماماً كما أن الخلل في تشخيص مرض ما يجعلنا نُقدم العلاج لعضو معافى ونهمل العضو المصاب، وبذلك ننتهي إلى إفشال العضوين معاً، ولا ندري من هو الفقيه أو الخبير الاستراتيجي الذي اقترح على العرب هذه التبادلية، بحيث نعرف كل شيء هناك ونتجاهل كل شيء هنا . بالطبع هذه واحدة من الحيل الإعلامية التي يظن البعض أنه لو مارسها يظفر بالحسنيين، والحقيقة أنه في نهاية المطاف يخسر المشيتين، لأنه أشبه بالمنبت الذي لا طريقاً قطع ولا ظهراً أبقى .

إن معالجة الظواهر سواء كانت سياسية أو معرفية أو حتى تربوية بمعزل عن بعضها، وخضوعاً لخطوط الطول والعرض التي حددتها تضاريس النظم السياسية، سيُبقي المشهد كما هو: برج بابل أو كُبّة صوف بين مخالب قطة .