-



النحاة في الروضة والابتدائية




*جريدة الخليج



عبد اللطيف الزبيدي:

لا توجد مئة طريقة للنهوض باللغة العربية. المحاولات المثالية غير الواقعية المباشرة قد تكون صادقة، ولكنها لا تخلو من غرابة الإصرار على إطالة الدرب وهو قصير، كأن تحمل شخصاً على قراءة مئة كتاب في تعلم العزف على البيانو، وهو لم يضع أنامله على أصابع الآلة ولو لحظة.


البداية السليمة التي تؤتي أكلها سريعاً، هي ما بادرت إليه إمارة الشارقة: لا تؤجل عمل روضة الأطفال إلى المراحل التالية. الطفل الصغير يلتقط اللغة الفصحى، ولا يهمّه من سيبويه وابن جني والفرّاء، مات وفي نفسه شيء من حتى أو لعل وعسى ومتى وشتى. حين يصل إلى الابتدائية نسير به بين الحفر التي لم يستطع النحاة أنفسهم ردمها منذ البصريين والكوفيين. ولو تركنا الطفل يكبر وأفهمناه ما معنى أن يظل ابن جنّي نفسه، وهو أكبر فلاسفة اللغة العربية، يتعلّم الصرف أربعين سنة، لأطلق المسكين رجليه للريح وولّى هارباً كأنما رأى فتية أهل الكهف نائمين.


كل مناهج تدريس الضاد لا تساوي بضعة أيام أو أسابيع من محادثة الصبي بالفصحى قبل أن يقرب دروس النحو والصرف، ويدخل في المتاهات التي جعلت عتاة النحاة يقولون: النحو صنعتنا واللحن عادتنا. الحمد لله على أن أيّام ثقل دم ألفية ابن مالك ولّت إلى غير رجعة إن شاء الله.


المسألة ليست في يوم في شهر في سنة، ولهذا على المشرفين على المشروع الشارقي الرائع، أن يعملوا بكل الوسائل على إعداد المدرسين القادرين على ارتجال الفصحى بطلاقة وسلامة لغوية. فالتعليم تنطبق عليه نظرية ما بني على باطل فهو باطل. ما قام على خلل ظلت فيه العلل. وإذا كان النطق الصحيح السليم القويم مطلباً مهماً وملحّاً، فإن الأهم هو زراعة الإحساس بجمال اللغة العربية في سمع الطفل وذهنه وروحه. والملَكة اللغوية في القاموس الخلدوني أهم بكثير من الإلمام بقواعد اللغة.


إذا استطاع هذا النهج أن يعطي جيلاً ذا عربية فصحى متكاملة في نهاية الابتدائية، فإن هذا العطاء سيكون تحصيناً ومناعة ومنعة للعربية والعرب. نجاح هذا المشروع سيكون أكبر دافع إلى انتشاره على أوسع نطاق عربياً.



لزوم ما يلزم: لا نريد أن نموت وفي نفوسنا شيء من رؤية الفرّاء وكل فقهاء اللغة العربية وهم في الروضة أو الابتدائية وفي أيديهم كتب التلوين.