صالح الخريبي أو القلم المهجوس بفلسطين

"أبوخلدون" عاش ورحل في صمت






معه ومن خلال كلماته البسيطة، التي كانت تمتعنا في كل صباح بإطلالته “فنجان قهوة” من خلال الصفحة الأخيرة في “الخليج الاقتصادي”، هذا الفنجان الذي أدمناه، منذ أن بدأ بإتحافنا به الراحل الجميل طوال سنوات خلت، يعد إعلاميا فلسطينيا كبيرا، قدم الكثير والكثير، ولم يعرفه إلا القليلون من القراء، لأنه اختار “أبو خلدون” اسما ليوقع به إبداعاته، وكان بحق جنديا مجهولا من الطراز الأول .
رحل “العم صالح” قويا كما عهدناه في حياته، تجده خارجاً من الجريدة أو داخلا إليها في الصباح والمساء، لم يكن الوقت يحكمه في العمل، تجده يمسك مقاله اليومي بين يديه، ويطالعه بما بقي له من نظر في عمره الذي ناهز 69 عاما، لم يكن من الصعب معرفة أن هذا الذي يدقق في الأوراق هو “أبو خلدون”، كان يدخل التعديلات عليه في آخر لحظة كي يقدمه للقارئ بالشكل الذي يناسب قراءة المقال مع فنجان القهوة الصباحي .


كثيرة هي التسميات التي كانت تطلق عليه من قبل الزملاء ومنها “العم صالح”، “الرجل الطيب”، “الحبيب” وهي مشتقة من كلمته رحمه الله “هلا بالحبيب” التي كان يشنف بها الآذان، عندما يلقى أي احد من الزملاء في احد ممرات جريدة “الخليج”، ولازمه هذا الترحيب منذ أن كان في الكويت، حتى الإمارات .


من أبناء فلسطين الكبار، من منشية عكا في الجليل الأعلى، وبالرغم من كل الآلام والعوائق التي واجهته في مخيم عين الحلوة إلا أنه شق طريقه نحو المدرسة، وكان يرى فيها المخرج من المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني، وتعب على نفسه كثيرا، كان عصاميا، وموسوعيا، ومبدعا في كل عمل يقوم به .


وتشاء الأقدار أن يكون زميلا لرفيق دربه الفنان الفلسطيني الشهيد ناجي العلي، وانطلقا سويا من المخيم نفسه “عين الحلوة” في صيدا بجنوب لبنان، وسكنا سويا، وعملا معاً في جريدة “القبس” الكويتية، وكان الشهيد ناجي يرسم الكاريكاتير، والفقيد صالح يكتب مقالاته، التي كان يسعد بها قراء “القبس” يوميا، رضعا حب فلسطين “التي سكنتهم في حلهم وترحالهم” سويا .


لم يكن التشرد والنزوح عن الوطن بكاف لإسكات قلم صالح، أو لكسر ريشة ناجي، فتواصل ابداعهما على صفحات “القبس” كما أبدعا سويا في جريدة “الخليج” التي أطلا من خلالها على القارئ العربي، ناجي برسمه اللاذع الذي قد يكون السبب في استشهاده، وصالح بكتاباته التي تعد موسوعية بكل ما للكلمة من معنى، لقدرته رحمه الله على إيصال رسالته بكل يسر وسهولة، قد يحتاج غيره إلى كتب لإيصالها بالشكل المطلوب .


جاء الكويت في الستينات من القرن الماضي هاربا من حياة المخيمات، وكل تبعاتها وآلامها، وتجاربها المرة، التي عاشها في طفولته عندما اجبر الاحتلال الصهيوني أسرته على مغادرة منشية عكا، إلا أن صورة الوطن بقيت عالقة في ذهنه، وذاكرته الخصبة التي سقتها بيارات فلسطين والجليل الأعلى، كان يستحضر الوطن في مقالاته وكتاباته، يشعرك بعنفوانه، وهو الذي ما خنع ولا خضع لأية إغراءات، ولم يدخل نفسه في أية حسابات حزبية أو حركية، انتماؤه الوحيد والكبير كان لفلسطين من نهرها إلى بحرها، له شقيقان شهيدان كامل وسهيل وشقيقة شهيدة هدى استشهدوا الثلاثة وهم يقاومون الاحتلال الصهيوني .


في الكويت بدأ عمله في إحدى الشركات التي يرأسها بريطاني، واكتشف وجود الفساد، فكتب مقالا، ونشره حول هذا الموضوع، الذي يعد انطلاقته في العمل الصحافي، وعمل في مجلة “صوت الخليج” في عهد باقر خريبط ثم في صحيفة “أخبار الكويت” لصاحبها عبدالعزيز الفليج .


عمل مع الرعيل الأول من مؤسسي “القبس” في أواخر ،1973 وكان يعد احد المشاركين في انطلاقة الصحيفة، ومارس الكتابة الصحافية وكتب المقالة السياسية مبكراً وكان يكتب مقالة يومية تحت زاوية “القضية” ثم استبدلها ب “قبس عالمي”، استطاع من خلالها أن يسلط الضوء على القضية الفلسطينية بشكل كبير، ثم ما لبث أن تولى رئاسة قسم الترجمة من الصحف الأجنبية إلى اللغة العربية، وذلك على الرغم من انه لم يدرس الإنجليزية، بل تعلمها بجهد ذاتي، هو من جيل رغب في تعلم كل شيء، ليس التعلم فحسب، بل الإبداع في العمل، كان يحرص على نشر مقالة “آرت بوكوالد” المعروف بكتاباته الساخرة والناقدة إلى جانب عموده اليومي، في القبس، كونه امتلك هذه الروح الساخرة، وكأنه كان ينفس ما بداخله في هذا المقال .


عند مجيئه إلى الشارقة في أواسط التسعينات، للعمل في جريدة “الخليج” لم يكن هذا أول تعارف له بالجريدة، بل كان من أوائل الصحافيين العرب الذين واكبوا الانطلاقة الأولى في بداية السبعينات من القرن الماضي، وحينما حط رحاله في الشارقة أسندت له إدارة التحرير مهمة إنشاء ملحق صحي متخصص أطلق عليه “الصحة والطب” الذي يعد انجح الملاحق المتخصصة في هذا المجال، وحلم به ليصبح مجلة متخصصة مستقبلا، لاعتقاده بأن الوطن العربي يفتقد هذا النوع من المجلات، بالإضافة لمواصلته كتابة زاوية “فنجان القهوة” .

* نقلا عن دار الخليج،،