-
1 - 11 - 2014, 11:50 PM
#1
الطريق إلى الذات
-
الطريق إلى الذات
*جريدة الخليج
إبراهيم اليوسف:
ثمة هاجس كبير، ينتاب الإنسان، منذ أن وعى نفسه، على وجه البسيطة، وكان من عداد جملة أسئلته الأخرى، التي تصاحب التفكير بتأمين سبل استمرارية الحياة، مفاده "كيف أستطيع التواصل مع الآخر؟"، وهو ما توقفت بحوث الميثولوجيا، بل والدراسات التاريخية، والنصوص الدينية، بل والكتب الفلسفية، والفكرية عندها، على اعتبار أن الانشداد إلى رائحة الآخر، وروحه، كان من الحاجات الأعظم لدى الكائن البشري، كترجمة للحظة الوعي الأولى التي تتوزع بين المحيط والذات، وربما أنها- وللحقيقة- تبدأ من المحيط إلى الذات في الأصل، مادام أن الطفل الصغير يفتح عينيه على ماحوله، قبل أن يكتشف قارة ذاته.
وإذا صح لنا أن نسمي الذات بالقارة، فإن هذا التوصيف لن يكون مبالغة البتة، لأن فضاء هذه الذات لامتناه، وجد واسع، وعصي على التحديد، بما يجعل مفردة "القارة" ضيقة أمامها، وهو ما يرفعها إلى مستوى عالم كامل، لمافيه من أسرار تكاد تغدو عصية على الحصر، ومن هنا، فإن الكائن الآدمي استطاع أن يعرف عما يحيط به أكثر مما يعرف عن كونه الداخلي، مترامي الأطراف، الذي يلتقي فيه الواقع بالخيال.
أجل، إن الطفل في صغره ليتعرف إلى أمه، وأبيه، وإخوته وأخواته، ومن يعيشون معه في المحيط البيتي، وما قد يجاور هذا المحيط، بل إنه يتعرف منذ طفولته المبكرة إلى كل ما يهمه بدءاً من محيط سريره، وجدران غرفة نومه، وما فيها من ألعاب، بل إنه يتعرف إلى مصدر رضاعته الطبيعية أو الاصطناعية، وعلى كأس الماء، ونكهة الخبز، أو قطعة الفاكهة، كما يتعرف إلى الأصوات، والأضواء، ويتفاعل معها، عبر ابتسامته أو امتعاضته الفطريين، وفي هذا ما يؤكد على حضور المحيط، بكل تفاصيله، الساكنة، والمتحركة، الجامدة، أو الإنسية، بل والحيوانية.
وبحق، فقد استطاع العقل المعرفي تحقيق مقاربة في عالمي الذات والمحيط، وهو ما يمكن أن تتم الاستفادة منه، ضمن لحظة وعي محددة، إذ إن أي تأقلم إنساني، مع الحياة، لايمكن أن يتم، إلا من خلال إجادة التفاعل بين طرفي المعادلة الثنائية، كي يتم توازنه، وديمومته، لأن مجرد أي خلل في التفاعل، يؤدي إلى العيش خارج حدود الزمان والمكان.
ويبدو أنه بعد أن تم سبر الكثير من حقائق المحيط، والذات، في ظل هيمنة وسائل التواصل ما بعد الحداثية، على الكائن المعولم، فإن خللاً من نوع آخر، بات يفرض نفسه عليه، يكمن في القطيعة المتشكلة بين الإنسان والمحيط، بل بين الإنسان وذاته، ماي دفع الفرد إلى حالة انكفاء، مرعبة، بل أن يغترب عنها، بعد أن تم بتر الكثير من وشائج ارتباطه حتى بالمحيط القريب، لنكون -في التالي- أمام خلل فظيع، شبه كارثي، يدفع إلى القطيعة مع جماليات الآخر والذات، والارتداد إلى كنف الذات وحدها، في طريق الانبتات عن هذه الذات أيضاً، على حساب جملة قيم التعايش النبيلة التي هي ميسم الحياة أصلاً.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى