رسائل إلى أمي

نوزاد جعدان

* الاتحـــــاد





1
أمي
قلتُ لكِ سأجمع حطبَ الغابة وأعود
لم يقل أبي إن لم يكن فأسكَ قوياً
ارجعْ قبل أن يحل الغروب
الغابة يا أمي
فيها الكثير من الثمار الجافة وآلاف الديدان
فيها الأرانب البيضاء الميتة وقطعان الذئاب
كانت كلاب قريتنا فخمة تفهم لغة الحجارة
وإن أخطأ شخص الطريق تكون الدليل
مضت خمسة أعوام وجراح اللوز لا يزيدها إلا الملح
في الغابة لا يخاف علي أحد من السيارات
حين أتجاوز الطريق
وفي الصباح لا أشرب الحليب
مثل عروس تستحم بحجر الخفان
يهطل الليل في الغابة
وأنا أنام على وسائد الريش مع ذلك لا تطير أحلامي
في الغابة
كراسي مدماة بالمسامير
من أينَ جاءت كل تلك السفن
حتى مل الليل من أحلامنا سريعاً؟ . .
أبي
أنا لا أعودُ بلا حطب
أنا لا أعود
لا أعود
لذا أرسلُ لكم كل مرة عظمة متفحمة من جسدي

2
أمّي
مزّقي صوري القديمة
لم يعدْ أنا من كان فيها
خمسة أعوام كفيلة بولادة جديدة
وكل الأصدقاء الذين رحلوا احذفي أرقام هواتفهم
خمسة أعوام كفيلة للينابيع كي تتغير
إن لم يمر عليها الغمام
المرأة التي تمد الفيء حصيرةً
تجمع صحون الشمس
قالتْ لي أنتَ الذي تحزنك أغنية
أصبحتَ تبيع الذباب
وتنسى أن تضع الخبز على الرصيف
تجوعُ الطيور
هادئ حزنكَ كإبرة وقعت على وسادة منسية
أمّي
يا أولَ سوار لف معصمي
وآخر محل مجوهرات استوقفني
لا تفتحي الباب الآن لمن لا يدقّ جرس الباب
لمن يخبط بيديه وقدميه
قال لي عامل المصبغة
إن القرية أصبحت فارغة جداً
والحقول التي نزرعها
لا تمرّ عليها حتى الطيور الشريرة
لم نعد نصنع الفزّاعات
وحين يصبح القمر نحيلاً جداً
نشعلُ مصابيح البيت
أمّي الضيوف هنا
الضيوف
ما أكثرهم
ولكن البراد فارغ دوماً لذا لا نفتح الباب
أمي
مزقي صوري القديمة
واحتفظي بصورة جديدة سأرسلها لك قريباً
قريباً جداً
عند أول مصور يصورني مجاناً

3
لابدّ أن نطلي البيت مرّة أخرى
مهما اشتدت المسامير في خاصرة الجدار
لابد أن نعلق صوراً جديدة
هي هكذا
وتلك الساعة المتوقفة
سنغير بطاريتها أيها الزمن
لماذا لا نضحك بلون جديد
إذا ما دهنا البيت بالأخضر؟
وكل بيوت العنكبوت القديمة
سنزيلها بخرقة بالية
ونقول لكل هذا البلاء
سيأتي يوم
ويقرع بابنا ساعي البريد
سيعود
ويحمل صناديق الهدايا المنسية
غنّوا معي
كأي عاشق بشع
تولّه بحسناء
يغني ويغني
ويعلم أنها مع الغريب
تذهب ولا تذهب من ذاكرته
غنّوا معي
كأي طفلة سمّت دميتها
ونسيتْ اسم أبيها
مزّقوا النوتات الموسيقية
والطبول
وكل آلات الموسيقى
هكذا
غنّوا
كما كانت أمي تغني
وهي تكنّس البيت
تنظف كل الأوساخ التي جلبناها من شوارع هذا العالم


4
كنتُ أعرف أن القطار سيعود إلى محطته
وأن صناديق الفاكهة التي حملناها إلى المدن البعيدة لن تعود إلا بالصراخ
في البيت الذي شمّرت فيه الريح عن سواعدها
ولكن ما لا أعرفه أن تبقى القرية خالية عندما تمر الحصادات
وأن يبقى بائع المزادات وحيداً يبيع أجهزة الاستقبال في مدينة لا كهرباء فيها
كان علي يا أبي أن استوعب دخان القطارات
و أن القرى الكبيرة تنفجر حين تأكل الخبز الحاف كل يوم
ما لا أستوعبه أن أمي حين كانت تنقي العدس من القش
كانت تحرق في أغانيها كل أسباب الحزن
كل يوم يلتصق وجهي بالنافذة تدنو مني سحابة بيضاء
كوشاح صلاة أمي
لم أصطد الفراشات يا أمي أذكر الذباب كثيراً والوحل
وذلك اللحاف الي كنتِ تغطيني به وأنا صغير
أنفخ على البلور وانتظر المطر
السفر وحيداً
حزين أنا يا أمي
حتى لو وزعوا علي في رحلتي عصير برتقال و جرائد مجانية
أنا أسعل كثيراً هذه الأيام وأزعج الجيران .