-
10 - 10 - 2015, 11:55 PM
#1
بريد بلا سعاة
-
بريد بلا سعاة
*جريدة الخليج
منصور:
إذا صح القول، إن لكل زمان دولةً ورجالاً، فإن لكل زمان أيضاً المهن السائدة فيه، والتي يتنافس أصحابها على إتقانها، وهناك مهن عاشت مع الإنسان منذ بواكير التاريخ، لكنها بدأت تُفارقه، أو بمعنى أدق هو الذي يُفارقها، لأن تطور الصناعة وتحديث الأدوات حل مكانها، ولم يبق منها غير تماثيل صامتة في المتاحف الشعبية.
وقد كان لكل مهنة إيقاعاتها والأغاني المصاحبة لها، لأن الناس يعتقدون أن الطقوس التي يُمارسونها أثناء عملهم تُعينهم على الاحتمال، وهناك شعوب بدائية كانت تعتقد بأن الطقوس التي تمارسها في العمل تجعل الناتج أغزر، وحين فحص أحد علماء الاجتماع، وهو أرنست فيشر، هذه الظاهرة توصل إلى أن ذلك الاعتقاد ليس من الخُرافات، لكنه أضاف، أن الطقوس لا تضاعف الإنتاج بل تضاعف من الجهد المبذول من أجله.
وحين نتذكر مهنة النَّساج اليدوي أو شاحذ السكاكين المتجول على عجلة ينطلق منها الشرر، أو ساعي البريد الذي يحمل الابتسامة والدمعة، لمن يطرق أبوابهم وهو يحمل الرسائل.. نشعر بأن ذلك الزمن قد مضى، لكن ظلاله لم تذهب معه، وهي دائماً ظلال رومانسية، والرسالة التي كان يستغرق وصولها إلى المرسل إليه أسابيع، أصبحت الآن تصل لحظة إرسالها، لكن بلا سُعاة بريد، وعبر منجزات التكنولوجيا التي بدأت منذ زمن تطرد الإنسان وتستعيض عنه بالآلة.
فيما مضى وفي زمن سُعاة البريد كانت الرسالة رسالة بالفعل، ولها ملمس إنساني، لأن من يكتبها يريد حقاً أن يعبر عن عواطفه، لكنها الآن مُجرد كلمات تتلاحق لمجرد ملامسة جهاز لا نبض فيه ولا حياة!
حتى السكاكين الصغيرة الأنيقة ذات المقابض الثمينة والمصنوعة من الفضة أو العاج والأبنوس، والتي تستخدم لفتح الصفحات في الكتب، لم يعد لها أثر وقد يختفي ويلحقها الكتاب أيضاً، مادامت هناك بدائل إلكترونية.
والمهن التي ودعناها تعود إلينا الآن، لكن بصورة أخرى، فالصناعة اليدوية أثمن بأضعاف من غيرها، واللوحة أهم وأغنى من الصورة الفوتوغرافية، لهذا كتب شاعر فرنسي قصيدة دافئة وحميمة عن صناديق البريد المهجورة، قال فيها إنها تحولت إلى أعشاش للعصافير!!
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى