النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: وحيدون جداً

مشاهدة المواضيع

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مراقب عام المنتدى
    تاريخ التسجيل
    28 - 9 - 2008
    الدولة
    الإمارات-رأس الخيمة- الرمس
    المشاركات
    12,676
    معدل تقييم المستوى
    383

    وحيدون جداً

    -









    وحيدون جداً


    *
    جريدة الخليج



    د. حسن مدن:


    حكى لي صديق أنه التقى ذات مرة في طريقه للعودة إلى بلاده عند بوابة الدخول إلى الطائرة في مطار دولة كان مسافراً إليها رجلاً حيّاه بحرارة وحبور، ولما لاحظ الرجل أن ملامح صديقي هذا انطوت على شيء من الاستغراب والفضول، رغم ما حاول إظهاره، بدوره، من ترحاب بالرجل الذي هشّ إليه محيياً، سأله: يبدو أنك نسيتني، سائلاً إياه: ألا تعرفني؟


    إنه واحد من أشد المشاهد إيقاعاً في الحرج، حين تقابل أحداً يحييك بكل الود والترحاب، فيما أنت لا تتذكر اسمه، وربما تكون قد نسيت وجهه. وهذا بالضبط ما حدث لهذا الصديق، الذي حاول مداراة الحرج بالقول: وجهك مألوف عندي تماماً، لكن العتب على العمر، متظاهراً بالسخرية من نفسه: سامحني، إنه زهايمر مبكر.


    كي لا يطيل الرجل حرج الصديق، بادره بالقول: أنا جارك، بيتانا الجدار بالجدار.


    فيضٌ من الاعتذارات انهمر من قبل صديقي هذا لمحدثه، مذكراً إياه بلقاء تمّ بينهما في مناسبة سابقة منذ سنوات، لتخفيف وقع الحرج، ولكن ما عسى ذلك أن يغير من الحقيقة الصادمة، في أن الأحياء السكنية في المدن حديثة التشكل التي يأتي إليها ساكنون من أماكن وبيئات مختلفة، تضم في ثناياها هذا «الخليط» من البشر، الذين رغم تجاورهم في الأمكنة حد التصاق البيوت، لا يعرفون بعضهم بعضاً، وقد يعيشون سنوات طوالاً من دون أن يتقابلوا وجهاً لوجه، وإن التقوا فإنهم يلقون التحية على بعضهم كما يلقيها الغريب على الغريب.


    على خلاف المجتمعات التقليدية، لا القروية وحدها وإنما حتى أحياء المدن الصغيرة كحال مدننا في بلدان الخليج العربي، حيث الناس يعرفون بعضهم بعضاً ويتابعون أدق تفاصيل جيرانهم: عدد الأولاد والبنات، الحالة الاجتماعية للأفراد: المتزوجون والمطلقون والعزاب، المرضى والأصحاء، فإن الشبكات الاجتماعية، حتى الضيق منها، تتشظى وتتحلل ويزداد الناس انطواء لا على أسرهم الصغيرة فحسب، وإنما على أنفسهم أيضاً.


    حتى داخل الأسرة الواحدة بات الأفراد يميلون إلى الانعزال والانطواء. حسب بعض الدراسات فإن الوجبات السريعة التي تؤمن المطاعم لا تحضيرها فقط وإنما إيصالها إلى البيوت، تكسر تقليداً أسرياً حميماً هو التجمع حول المائدة لتناول الطعام في مواعيد ثابتة، حيث تقلصت وربما تلاشت في بعض الحالات طقوس الأكل المشترك وما يترتب عليه من تداول الأحاديث والأخبار.


    ترفع المجتمعات الاستهلاكية شعار السؤدد للفرد، الذي بات يضيق ذرعاً بالجماعة.
    التعديل الأخير تم بواسطة مختفي ; 21 - 11 - 2015 الساعة 12:02 AM
    ..

    ..




ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •