الحلقة 10 من السراب| موقف "الإخوان المسلمين" من نظام الحكم





24 - أبوظبي

أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.

الحلقة العاشرة


الباب الثاني: حــالات تــطــبــيــقــيـــة

الفصل الثالث: الجماعات الدينية السياسية: الإخوان المسلمون

موقف الإخوان المسلمين من نظام الحكم

يقصد بنظام الحكم مجموعة القواعد العامة التي يتم بموجبها إدارة الدولة. وعادة ما يعكس نظام الحكم المتبع في أي دولة طبيعة تطور المجتمع والقيم والثقافة العامة التي تحكمه، لهذا برزت في العصـر الحديث أنواع عدة من نظم الحكم التي قد تختلف في الشكل والجوهر. وعلى الرغم من أنه ليس من أهداف هذا الكتاب الخوض في نشأة هذه النظم ولا تفاصيل المبادئ التي تقوم عليها، فإنني أشير هنا إلى أهم هذه النظم المعاصـرة، لمعرفة مدى ملاءمتها لواقع العالم العربي، خاصة بالنسبة إلى الدول التي تمر بمرحلة تحول بعد الأحداث الداخلية التي جرت منذ عام 2011م، والتي فتحت بدورها المجال لجماعة الإخوان المسلمين للمشاركة السياسية أو الوصول إلى الحكم، من جهة، وأتاحت فرصة غير مسبوقة للبحث في مدى واقعية طروحات الجماعة أو قدرتها على تطبيق ما كانت تنادي به من شعارات ومبادئ، طوال كل هذه العقود، خاصة ما تعلق منها بشكل نظام الحكم وطبيعته وممارسته من جهة أخرى.

وهنا يتعلق الأمر بأهم النظم السائدة في الثقافة السياسية العالمية في العصـر الحاضـر، وهو النظام البرلماني الذي تتركز فيه السلطة في يد رئيس الحكومة، بينما يكون فيه منصب الرئاسة بروتوكولياً، كما في النظام السياسـي البريطاني، والنظام الرئاسـي الذي يتمتع فيه الرئيس بصلاحيات اتخاذ القرار، كما في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك النظام المختلط الذي يجمع بين النظامين السابقين، حيث تتوزع فيه الصلاحيات بين مؤسسة الرئاسة والحكومة والبرلمان، كما في الجمهورية الفرنسية. وأياً كان شكل نظام الحكم فإن ما يهم في إطار مناقشة منظور جماعة الإخوان المسلمين للنظام السياسـي والدولة هو القواعد أو المبادئ العامة التي يقوم عليها هذا النظام أو ذاك، التي تتيح لنا المقارنة مع موقف الجماعة من نظام الحكم ومدى تطابقه مع ما يجب أن يكون عليه الأمر في الإسلام من جهة، ومع الفكـر الليبرالي الغربي الذي أنتـج هذه النظم، من جهة أخـرى.

فجماعة الإخوان المسلمون تسعى، كما تزعم، إلى إقامة نظام حكم إسلامي على غرار نظام الخلافة. ولهذا تم طرح طبيعة العلاقة بين الدولة والدين بشكل مباشـر منذ البداية، حيث ترفض الجماعة الفصل بينهما مطلقاً، وهنا يقول البنا:
الإسلام دين ودولة، وحكومة وأمة، ومصحف وسيف، وحكم وتنفيذ، وقانون وقضاء، لا ينفك واحد منهما عن الآخر.

أدبيات الإخوان

لذلك فجماعة الإخوان المسلمين ترى أن هذا النظام يجب أن يقوم على مجموعة من القواعد المستمدة من الشـريعة الإسلامية. وقد شـرح هذه القواعد محمد عبدالقادر أبو فارس، أحد رموز الجماعة في المملكة الأردنية الهاشمية، الذي يعتبر كتابه النظام السياسـي في الإسلام أحد أهم أدبيات الإخوان المسلمين في هذا المجال. فهو نظام يقوم على الحاكمية، والعدل والمساواة، والشورى. ولعل أهم محاور هذا النظام هو النص القاطع بأن الشـريعة الإسلامية هي المصـدر الوحيد للتشـريـع في الدولـة الإسلامية، وفي هذا السياق، لا يمكـن الفصـل بين الديـن والدولـة، بمعنى آخر فـإن الدولة الإسلاميـة يجب أن تكـون دولة تستمد قوانينها من الشـرع الإسلامي (القرآن الكريم والسنـة النبوية الشـريفة) فقـط.




لقد أكدت جماعة الإخوان المسلمين، منذ تأسيسها، المرجعية الفكرية أو الأيديولوجية التي تعني أن تنبثق القوانين التي تحكم المجتمع المسلم من مفهوم أساسـي لدى الجماعة وهو مبدأ "الحاكمية"، الذي يقرر السيادة المطلقة لله في الكون، وأن الله وحده صاحب الحق في التشـريع وتحديد ما ينفع الناس وما يضـرهم، فهو خالقهم ومالكهم، وهو وحده الذي يمتلك حق الإباحة والتحريم، ومن ثم لا يجوز أن يجتهد في ذلك أحد من العالمين، كما يرى المدافعون عن هذا المبدأ أن القوانين والتشـريعات في الإسلام تجسيد لأوامر الله عزّ وجلّ، وأن من يخرج عن ذلك يصنف ضمن الجاهلية، وهذا المبدأ تتمحور حوله رؤى جماعة الإخوان المسلمين للشـريعة الإسلامية وتفسير نصوصها.
وقد كان لسيد قطب، دور أساسـي في ترسيخ مفهوم الحاكمية، بل أصبح هذا المفهوم، كما سبق أن ذكرت، من أكثر ما يميز فكر جماعة الإخوان المسلمين، وكان له تأثير كبير في فئة الشباب من أعضاء الجماعة وغيرهم، ممن رأوا في أفكاره الوصف الدقيق لواقع المجتمع، خاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضـي، وضـرورة إصلاحه حتى لو تطلب الأمر اللجوء إلى العنف والقوة. وهنا تحديداً تكمن خطورة فكر جماعة الإخوان المسلمين، فالمسألة لا تتعلق بمناقشة أفكار عقيدية وقبولها كلياً أو جزئياً، بل تكمن بالأساس في كيفية تطبيق هذه الأفكار وآليات هذا التطبيق، الذي دفعت به الجماعة، عبر كتابات منظريها، وأوصلته إلى دائرة العنف واستباحة الدماء من أجل الوصول إلى ذروة منتهاها وهو الحكم.


جاهلية المجتمع المعاصر

لقد انطلق سيد قطب في رؤيته لنظام الحكم من فرضية جاهلية المجتمع المعاصـر التي سماها "جاهلية القرن العشـرين"، وأن ما يعيشه العالم من مشكلات سببها تغييب مبدأ الحاكمية والابتعاد عن تعاليم الإسلام، إلى درجة أنه يصعب التمييـز، في رأيـه، بين واقـع المجتمع المسلم خلال تلك الفترة وواقع العصـر الجاهلـي الذي سبق ظهور الإسلام. ورأى قطب أن هناك اعتداءً على أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية، ليس من جهة الرفض بالنسبة إلى المجتمعات المسلمة، وإنما من جهة وضع تصورات وقيم وشـرائع وقوانين بعيداً عن منهج الله وفي الغالب معارضة له. وعلى الرغم من صحة المنطلق وأنه لا خلاف بين المسلمين كافة على موضوع توحيد الألوهية، التي تعني توحيد الله بأفعاله وصفاته كالخلق ونحوه، وألوهيته التي تعني توحيد الله بأفعال العباد كالصلاة، فإن المشكلة تكمن دائماً في طبيعة الفهم والتفسير لماهية المفهوم وكيفية إنزاله على أرض الواقع، والمعضلة الكبرى هي في توظيفه في أطر محددة لخدمة أغراض شخصية أو حزبيـة معينـة.




تسويق التحول من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية

ومع ذلك فقد روجت جماعة الإخوان المسلمين لما يصفه منظروها بالتحول الفكري تجاه هذه القضية، ومن فكرة الدولة ككل وإذا ما كانت مدنية أو دينية. فمع موجة الليبرالية ومعها الديمقراطية التي بدأت تجتاح العديد من دول العالم، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، وفي إطار محاولات التكيف مع المتغيرات التي تحدث حولها وبعد إدراكها عدم واقعية هذا الطرح أو حتى قبوله ولا حتى على مستوى الكثير من الجماهير، فقد أعلنت أدبيات الجماعة حدوث تحولات في نظرتها إلى الدولة من دولة دينية بمفهومها الذي تمت ممارسته عملياً في إطار دولة الخلافة، إلى دولة مدنية تقوم على مبادئ الديمقراطية من تعددية ومواطنة، ولكن مع تأكيد المرجعية الإسلامية. ولكن اتضح فيما بعد أن تبنيها لهذا المفهوم لم يكن سوى محاولة لإضفاء طابع مدني على خطابها الديني الموجه للخارج من دون أن تلتزم في التطبيق بجوهر الدولة المدنية وأصولها في الحكم، وهذا كان أحد الأسباب في فشل تجربتها في الحكم في جمهورية مصـر العربية خلال الفترة من 30 يونيو 2012م حتى 3 يوليو 2013م.

طابع مغاير للخطاب الموجه للخارج

ولكن التحول الأهم في إطار التغيرات الفكرية المزعومة، هو إعلان قبول آلية تتيح للمجتمع المسلم التقرير في الأمر، خاصة أن هناك افتراضاً وربما شعوراً بأن المجتمع المسلم سيختار الشـريعة، إذا ما أُتيحت له الفرصة والحرية التامة. وهذا ربما يكون منطلق قبول فكرة الديمقراطية كآلية للحكم لدى الإخوان المسلمين - وربما لدى العديد من الجماعات الدينية السياسية الأخرى - فقد أكد الإخوان المسلمون في كتاباتهم الحديثة قبولهم فكرة الديمقراطية، وأن تطبيق الشـريعة ينبغي أن يترك للناس من خلال استفتاء عام. بمعنى أن يتم تخيير الشعب بين تطبيق الشـريعة من عدمه، وهذا توجه مغاير لأسس فكرة الحاكمية التي نادى بها سيد قطب، فضلاً عن كونه يعارض الأسس التي قامت عليها الجماعة منذ البداية من أن تطبيق الشـريعة أمر لا خيار للناس فيه ما دام من عند الله، ومن ثم يجب أن يقوم الحاكم بتطبيقه ويساعده على ذلك رجال الدين والمجتمع؛ ما يؤكد عمق الانتهازية السياسية في فكر الإخوان المسلمين وميلهم إلى الاستفادة من أي معطى مجتمعي وسياسـي لتحقيق مصالحهم الذاتية، بغض النظر عن طروحاتهم الدينية.

وقد أثار هذا التحول علامات استفهام كثيرة على: أولاً، مدى التزام الجماعة بالمبادئ التي قامت عليها إلى درجة القول بوجود تناقض أو على الأقل غموض في فكر جماعة الإخوان المسلمين، وثانياً، درجة الواقعية أو التي يسميها بعضهم البراجماتية أو التقية السياسية على غرار الفكر السياسـي الشيعي، وإظهار عكس ما يبطنون والتكفير والكذب الممنهج، وغير ذلك من سمات أصبحت ميزة لتفاعل الجماعة مع ما يحيط بها من أفكار أو جماعات أو حكومات أو نظم.

لجوء الإخوان المسلمين لمفهوم الدولة المدنية: خيار تكتيكي

إن الزعم بحدوث تغير في فكر جماعة الإخوان المسلمين، قد ظهر بشكل واضح منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضـي وكان يتطلب أيضاً قبول الديمقراطية بشكل صـريح، وما يرتبط بها من تعددية حزبية، ومفاهيم المواطنة، وهذا يمثل في نظر بعض المراقبين أكبر تحول في فكر الجماعة الخاص بالدولة ونظام الحكم، كما جعلها محل ثناء من بعض النظم والدوائر، وجعلها محل اتهامات واسعة من فئات وقطاعات مختلفة المشارب والتوجه داخل المجتمعات الإسلامية من أنها انحرفت عن المفهوم الحقيقي للدولة الإسلامية وما يجب أن تكون عليه في العصـر الحاضـر، بل ويتهمها الكثير بأنها تتحول إلى جماعة مصلحية لا تلتزم بمبادئها، وتستغل الدين للوصول إلى السلطة وتحقيق مكاسب خاصة.




فإدراك الجماعة عدم واقعية الطرح ولا حتى قبوله لدى شـرائح أساسية حتى من المجتمعات الإسلامية التي تتوجس من الحكم الديني بحكم الخلفية التاريخية التي أحدثها حكم الكنيسة في أوروبا الوسطى والذي أدخل تلك القارة بأكملها في ظلام دامس، فقد وجدت الجماعة نفسها أمام خيار التغيير في خطابها وقبول فكرة الدولة المدنية، ولذا فقد زعمت أن مفهوم الدولة المدنية بات جزءاً من شعاراتها وخطاباتها وبياناتها ومواثيقها وكتاباتها وأدبياتها، على مدار العقدين الماضيين.


لم يأت موقف جماعة الإخوان المسلمين تجاه الدولة المعاصـرة بالضـرورة نتيجة قناعات راسخة، بل كان خياراً تكتيكياً فرضته الظروف المحلية والإقليمية والدولية. فقد أيقنت الجماعة أنه لا يمكن تحقيق هدفها في إقامة الدولة الإسلامية بالمفهوم الذي يتم التأسيس له في السياسة الشـرعية في الإسلام من دون الانخراط في الواقع السياسـي العام القائم الذي يغلب عليه نظم وقوانين لمرجعيات فكرية غربية مدنية ودنيوية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بالتبعية من دون تبني فكرة الدولة المدنية بمفهومها الغربي المعاصـر.

إذ لم يكن ممكناً دخول لعبة الديمقراطية ومن ثم الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخاب ما لم يتم تبني مثل هذه الفكرة. وقد سعت الجماعة إلى تأكيد التزامها، خاصة وسط الشكوك التي أثارها العديد من القوى الداخلية والخارجية، حتى أصبحت شعارات الدولة المدنية والمواطنة محاور أساسية في الخطاب الرسمي للجماعة، وقد انبرى رموزها وقياداتها ودعاتها للكتابة عنها والترويج لها، وربما يكون راشد الغنوشـي، رئيس حركة النهضة التونسية وأحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين على مستوى العالم، من أبرز من قدم مفهوم الإخوان المسلمين الجديد للدولة المدنية التي تقوم على الديمقراطية وحقوق المواطنة لدرجة تشبه إلى حد كبير المفهوم الغربي لها. ومع ذلك فقد بقي مفهوم الجماعة لطبيعة هذه الدولة غير واضح خاصة في ظل التناقض بين بعض المبادئ التي قامت عليها الجماعة من جهة، والمبادئ التي تقوم عليها الدولة المدنية بمفهومها العصـري من جهة أخرى، مثل الموقف من قضايا الأقليات خاصة ما يتعلق بتولي غير المسلم الولاية العامة (كما أشـرت إلى ذلك سالفاً في مسألة تولي مسيحي إندونيسـي منصب عمدة جاكرتا)، وكذلك قضية الجزية.