.
خواطر في فيزياء اللغة
*جريدة الخليج
عبد اللطيف الزبيدي:
اللغة كالفيزياء، بل هي فيزياء بأتمّ معنى. هي مخارج أصوات، أي موجات صوتيّة وذبذبات. بنيانها مثل بنيان الكون من الذرّة إلى المجرّة. كل الذرّات في الأساس فيزياء، ولكنها عندما تتركّب وتتراكب تصبح كيمياء ذات عناصر شتى، تتشكل منها جزيئات لمواد لا تحصى.
(كلمة كيمياء مصريّة جدّاً. كيمي هو اسم مصر عند قدمائها، وكانوا يسمّون لغتهم: كيميت.الكيمياء تعني العلم المصري).
الحروف كالذرّات. من الحروف تتكوّن الكلمة، ومن الكلمات الجملة، ومن الجمل الفقرة، ومن الفقرات الفصل، ومن الفصول الباب، ومن الأبواب الكتاب، ثم المكتبة. وقس على ذلك أجسامنا: الذرة، الخليّة، النسيج، العضلة، العضو، الجسم. كذلك الأجرام: الكوكب، المنظومة، المجرّة، مجموعة المجرّات، الكون.
عظمة فيزياء اللغة، هي أنها تولّد أشكالاً من الطاقة لا حصر لها. منها ما يولّد الانفجار «والحرب أوّلها كلامُ». ومنها ما يُطرب ويُرقص. ومنها ما يُذهب الهمّ ويُنزل على النفس السكينة. ومنها ما يبعث في الروح العزائم الدفينة. لقد أدرك ميراثنا الكثير من هذه المسائل. قيل: «الفرزدق ينحت من صخر، وجرير يغرف من بحر». والأبلغ: «إن من البيان لسحـراً». السـحر هو ذلك الحادث الذي لا تعرف له سبباً.
صبراً، فلم آت بهذه المقدّمة الطويلة عبثاً.الغاية هي كشف المستور من عيوب مناهج تدريس اللغة العربية، فلم يحدث تطوّر كبير في هذا المسار. لقد كان القدامى يشغلون أنفسهم بشيء مقيت اسمه الإعراب. تركوا لنا متوناً لا حصر لها في شرح الدواوين وحتى في تفسير القرآن، بهذه السذاجة النحويّة الصرفيّة. تصوّر أستاذاً تشكيليّاً يشرح لوحة لرامبرانت بقوله: فيها ثلاثون غراماً من الأصفر، وعشرون من، وعشرة من، وستة من، أو أستاذ الموسيقى: السيمفونية الثالثة البطولية، فيها أربعة آلاف صول، و3014 مي، إلخ.. لهذا طالبنا كثيراً بإدراك أن هذا الأسلوب وما يشاكله ويماثله، غلط في غلط.كيف أسفّه عبقرية الشعراء وأختزلها في تقديم مفعول على فاعل، وإضمار فعل أو حذف ناصب أو تقدير جازم؟ سيتطور تدريس اللغة وآدابها عندما نركّز الدروس على الإحساس بالجمال. أي حين يصبح المقرر متجلّياً في فيزياء اللغة وكيميائها. عندما نفهم أن العلاقات النحويّة بين المفردات صلات إداريّة، أمّا التفاعل الذي يحدث فهو فيزياء وكيمياء.
لزوم ما يلزم: النتيجة المنهجية: حسن أن تعرف ذرّتي الهيدروجين والأوكسجين. أمّا الأهمّ فهو أن تسبح في معرفة كيف أن ذرّتين من الأوّل وواحدة من الأخير، تجعل الماء ينساب ومنه كل شيء حيّ.





