الولادة في المنفى
مقال خيري منصــور
دار الخليج
اشتهرت رواية في ستينات القرن الماضي حتى أوشكت أن تتحول إلى إنجيل لمن فرضت عليهم الظروف أن يعيشوا في المنافي، اسم الرواية هو الحقيقة ولدت في المنفى، ويبدو أن مساقط الرؤوس نادراً ما تلهم الناس ذلك الدرس البليغ الذي يقدمه المنفى، فهو ليس فقط نقيض الملكوت، إنه أيضاً الاختبار الأعسر والأقسى لمن وجدوا أنفسهم بعيدين عن الجذور، ولأن ثقافتنا العربية وثيقة الصلة بالهجرة الى الحد الذي نؤرخ به بعام الهجرة لا بعام الميلاد أو حتى الفتح فقد استجبنا في ذلك العقد لتلك الموعظة الروائية، وتوهمنا أن كل هجرة لابد أن تنتهي إلى عودة مظفرة، لهذا كثرت القصائد والنصوص الأدبية عن المنافي، حتى باتت بالنسبة للبعض مطلباً مثلما تحول الفهم الخاطئ والاستهلاكي للماركسية في تلك الآونة الى تحويل البؤس مطلباً قومياً وإنسانياً، لأن كل ما افرزته البرجوازيات بصغيرها وكبيرها حسب تلك الأدبيات هو شرور . ومن المفارقات التي شهدتها تلك الفترة والتي امتدت ظلالها حتى اليوم إدانة الفكر القومي لصالح الأممية رغم أن معظم العرب كانوا خارجين للتو من الاحتلالات والانتدابات الأجنبية، ويحاولون ترميم هوية تعرضت للقضم، تماماً مثلما انتقلت عدوى الشكوى من المدن عبر الترجمات خصوصاً لأعمال اليوت وسيتوبل وباوند وآخرين إلى ثقافتنا، وصرنا نقرأ نصوصاً منسوجة على ذلك الغرار الانجلوساكسوني ونسمع من يشكون من المدن العملاقة الساحقة للإنسان، رغم أن اكثر من نصف مدننا لم تكن قد وصلتها الكهرباء بعد، وضواحيها الزراعية تحرث بواسطة الأبقار والبغال .
وباستثناء القليل الجاد الذي كتب عن المنفى وفي مقدمته كتاب الراحل ادوارد سعيد، فإن المناخات الرومانسية وهواجس التقليد والمحاكاة هي التي حولت المنفى إلى فردوس كبديل للوطن، ما دامت الحقائق تولد دائماً هناك وبعيداً عن مساقط الرؤوس .
إن من أهم الأخطاء التي وقعنا فيها خلال نصف قرن، تهريب قضايانا لصالح قضايا مجردة ومترجمة وافتراضية، وهذا ما تنبه إليه د . هشام شرابي عندما سخر ذات يوم من كتابات عربية عن التفكيك، قائلاً ان هذا المنهج يليق بمجتمعات استقرت ونضجت بنيتها حتى أوشكت على التعفن، لكن مجتمعاتنا لا تزال نيئة وقيد استكمال عناصرها كي تدخل الى عصر التمدن، ولو أخذنا مثالاً من عالم الطب والصحة، وهو حدوث تبادل بين أطباء المناطق الحارة والمناطق الباردة لأصبح المشهد كوميدياً بامتياز، فما الذي سيؤول إليه الحال لو أن أطباء المناطق الباردة تولوا معالجة الناس في المناطق شديدة الحرارة والرطوبة أو العكس؟
نعرف أن العلم لا جنسية له أو هوية وأنه عابر للحدود والثقافات والقارات، لكن ليس معنى ذلك أن العولمة هي المرادف للعلمنة، وأن ما يصلح لواشنطن وباريس يصلح بالضرورة لجزر القمر أو السودان وموريتانيا . في تلك المرحلة القلقة والغنية بالتنوع ومختلف المساءلات ضاعت أشياء بالغة الأهمية، سواء في زحمة الترجمة أو حمى الانقلابات، خصوصاً بعد أن اشاعت ثورة مايو 1968 مناخاً من العصيان على امتداد العالم . . ولم يبالغ من قال في تلك الأيام ترجم كتاباً تنشئ حزباً، اشارة منه الى سرعة التأثر، وغلبة الرعونة على النضج، وما تساقط من غربال الزمن خلال نصف قرن لم يكن كله قمحاً أو زؤاناً لأن المراجعة النقدية الجادة لم تحدث بعد .






رد مع اقتباس