"النواخذة" يبحرون مع الذكريات والتحديات والمواقف
النون يرتب شباكه قبل رحلة الصيد (تصوير يوسف العدان)
الاتحاد- السيد حسن (الفجيرة)
يخرج نحو 1320 نوخذة، بينهم 700 في الفجيرة، و620 في كلباء وخورفكان ودبا الحصن، إلى البحر في مشهد يومي اعتادوا عليه منذ سنوات، بحثاً عن الرزق، ويواجهون في سبيل ذلك تحديات ومخاطر يتغلبون عليها بالحكمة والخبرات التي جمعوها طوال عملهم في هذه المهنة التي ورثوها عن الآباء والأجداد. ويحرص النواخذة دائماً على تطوير أدواتهم خلال رحلات الصيد اليومية، حتى يحققوا ما يهدفون إليه من صيد أكبر كمية من الأسماك، الأمر الذي يترتب عليه دخلاً وفيراً يعود عليهم وعلى أسرهم بالنفع والاستقرار الاجتماعي.
الأحوال الجوية
يبدأ النوخذة علي أحمد النون رحلته اليومية صوب البحر، وحين يعود بالرزق الوفير، عقب كل رحلة صيد قد تمتد إلى 70 ميلاً بحرياً، هناك في أعماق البحر البعيد، لا يركن إلى الراحة، بل يبدأ في التخطيط لرحلة أخرى في يومٍ جديد.
يقول النون: «مهنتنا مهنة خطر ومواجهة صريحة للبحر، فأنت حين تخرج للصيد لا تدري هل ستعود أم لا؟ كما أن رزقك يوماً بيوم، بما تجنيه من صيد، وقد تمر علينا أيام دون صيد بفعل الطقس، وهي مشكلة كبيرة تواجه كل نوخذة، حيث تتوقف القوارب عن الإبحار، لأسباب شتى قد تكون أحوال الطقس السيئة، وقد تكون كوارث طبيعية، وفي تلك الأحوال، يظل النوخذة جالساً في بيته من دون دخل، وقد يمتد الأمر به شهراً، وقد يطول عن ذلك، فمن أين سينفق النواخذة على أسرهم في حال توقفهم عن الذهاب للبحر للأسباب السالفة؟، ونقاوم كل هذه التحديات بمزيد من الصبر والحكمة والاستعداد للعمل وإعداد كافة وسائل الصيد والقوارب إعداداً جيداً.
وتساءل النون، النواخذة لديهم خبرات طويلة وعريضة في البحر، كما أن لديهم أسراً يعولونها، وهم يحصلون على أرزاقهم بما يقدمون من جهد وتعب وبذل المزيد من العرق، فإذا ما ذهبت صحتهم، فكيف يواجهون متطلبات الحياة، لذا يعمل كل نوخذة على محاولة تأمين مستقبل أسرته بتعليم الأبناء تعليماً جيداً، ومحاولة ادخار ما يتبقى لمواجهة أي طوارئ.
الشجاعة والحكمة
وقال النوخذة خلفان عبدالله الغيلاني من الفجيرة: «عرفت البحر منذ أن كنت في الثانية عشرة من عمري، كنت أبحر مع والدي، وتعلمت منه الكثير والكثير خلال رحلات الصيد التي بلغت الآلاف، وأهم ما تعلمته هو الصبر والرضا بالمقسوم، وعدم الجلوس في البيت وانتظار الرزق حتى يقبل علينا، بل علينا نحن أن نبحث عنه، من هنا كان عشقي للبحر وحبي الكبير للعمل وقيمته في الحياة، واجهنا الصعاب والمشاكل وتخطينا عثرات الزمن سواء في البحر، أو على اليابسة بحكمة وشجاعة».
وأضاف:البحر صديقي، ولكن يجب على كل صياد مبتدئ أو حتى قديم ألا يأمن للبحر، مهما كانت بينه وبين البحر من صداقة، فقد يغدر أحياناً، وهذا ما حدث لي أكثر من مرة، فقد بدأت رحلتي مع الصيد منذ زمن الخمسينيات، وقتها كان السمك كثيراً ومتوفراً على بعد 4 أميال بحرية، حيث كانت الأمطار تدفع بالوديان وما تجلبه من بقايا أشجار ونخيل وطمي، كل ذلك يكون داخل البحر بيئة حاضنة للأسماك، لذلك كانت جميع الأسماك موجودة على بعد ميل بحري واحد، وكانت قواربنا من الخشب «الشوش»، ونقوم نحن بالتجديف فلا محركات ولا إمكانيات، كل شيء تقليدي بحت، وكنّا نعود ومعنا كل الخير حتى الهامور والكنعد كنّا نصطادها على بعد 4 و5 أميال بحرية فقط.
السقوط في البحر
يقول النوخذة الغيلاني: «حدث في فترة الستينيات من القرن الماضي أن كنت في رحلة صيد مع صديقي حمدان خميس من الفجيرة، وخرجنا بالشوش، وأثناء مطاردتي لإحدى الأسماك سقطت في البحر، وإذا بالأمواج تأخذني بعيداً عن قاربي، وحاولت كثيراً محاولات مستميتة أن أعود مرة ثانية نحو الشوش، ولكن من دون جدوى، وصديقي كان لا يعرف في الصيد، فأشرت له بخيط السنارة، وتحملت مخاطر أن أصاب بسوء من السنارة نفسها على أن أموت في عمق البحر، ونجحت المحاولة ونجوت بأعجوبة».
وضمن المواقف والظروف الصعبة للغاية التي صادفناها في البحر، كان يوم أن احترق قاربي في عرض البحر بعد أن انفجر خزان الوقود واحتراق المحرك، واشتعلت النيران تحتي ومن حولي، وما كان لي خيار سوى القفز في مياه البحر الهائج، ولحسن الحظ كنت لا أزال قريبا من الشاطئ نحو ميل بحري فقط «1،6 كم»، وكان لزاماً عليّ أن أعود للشاطئ مرة أخرى سباحة وإلا أموت غريقاً، وبالفعل عدت.. وكانت معجزة لا أصدقها حتى اليوم.
تحديات الطقس
يقول أحمد الهاشمي، نائب رئيس جمعية الصيادين في الفجيرة: «أعمل في البحر منذ 35 عاماً، ومنذ 25 سنة وأنا نوخذة، وورثت تلك المهنة أباً عن جد، وكم وقعت لي مخاطر، وكم تعرضت لأزمات شديدة، وأذكر من 5 سنوات خرجت لرحلة صيد مع 7 من البحارة على بعد 25 ميلاً بحرياً، وفجأة غطتنا سحابة هائلة من الضباب الكثيف، فلم نكد نرى بعضنا بعضاً، وبقينا ساعتين لا نستطيع التحرك، وأشعلنا محرك الكهرباء والمصابيح، وشيئاً فشيئاً بدأنا السير حتى أقرب باخرة في عرض البحر، وهناك لذنا بها كونها معلماً واضحاً، ومكثنا أسفلها من الفجر وحتى الساعة 11 قبل الظهر، وما إن تلاشى الضباب حتى عدنا إلى الشاطئ من جديد، وهنا لا بد للنوخذة أن يكون مؤهلاً بالحكمة والتريث والشجاعة والذكاء والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب».
مهنة خطرة
النواخذة يقضون نصف أعمارهم داخل البحر، فهم إما في البحر يبحثون عن الرزق، وإما نياماً في بيوتهم عقب كل رحلة صيد، وربما لا يجدون الوقت الكافي للجلوس مع أسرهم، ويقول النوخذة عيسى محمد خلفان: «النواخذة يعملون في بيئة صعبة للغاية، فنحن مطالبون بالعمل كل يوم، فلا يمكن أن نتخلف عن القارب، لأنه من شروط خروج القارب للصيد أن يكون على متنه نوخذة، ويدقق على ذلك حرس السواحل في كل رحلة، وإذا تقاعس النوخذة عن الخروج، تعرض صاحب القارب لخسائر كثيرة، ولو كان صاحب القارب هو النوخذة نفسه، لخسر العائد الذي منه يضمن تسديد رواتب العمال، ولخسر مفردات كثيرة في رحلة العمل اليومية، إذاً عليه أن يعمل ويجتهد لتوفير الرزق الحلال لأفراد أسرته».