.






الكتابة المؤلمة




*جريدة الخليج




باسمة يونس:


ليس من المألوف كثيراً أن يتمنى أي أديب لو أنه كان يصلح لمهنة أخرى سوى الكتابة لأنه يعاني بسببها، ولا يتخيل أصحاب المهن الأخرى بأن الكتابة يمكن أن تتسبب بألم لصاحبها، فهي الحرفة التي تبدو من وجهة نظر طبيب أو مهندس أسهل بكثير مما يواجه في عمله، وأكثر الأشياء إمتاعاً وتسلية وجلباً للشهرة وضماناً لتخليد ذكرى المؤلف إن ترك وراءه عملاً يستحق ذلك. لذا فالكتابة تعامل معاملة الهواية فلا يستحق صاحبها بدل طبيعة عمل عن الجهود والأعباء التي يتحملها مقابل تأليف كتاب أو رواية تدعم قطاع الصناعات الإبداعية في بلده.


إن ما لا يعرفه الكثيرون عن ألم الكتابة قد دفع المؤلفة الإنجليزية كايتلين موران والتي تمارس عملاً صحفياً وإذاعياً، إضافة إلى تأليف الروايات وكتابة ثلاثة أعمدة أسبوعياً في صحيفة التايمز، لتكتب في إحدى شهاداتها بأنها تتمنى لو أنها كانت عارضة أزياء بدلاً من أن تصبح كاتبة.


وليس ما تقصده «كايتلين موران» ألماً معنوياً أو مادياً يرجع إلى تأثير احتراف الكتابة، ولا يعود إلى امتلاكها قواماً أو صفات جسدية تؤهلها لأن تكون عارضة أزياء أو بسبب التعاطي مع الناشرين اللحوحين أو المنتجين أو حتى شخصيات كتبها ورواياتها واضطرارها لمواجهة تقلباتهم النفسية والتفكير عنهم، بل هو ألم جسدي ناتج عن آلام ناتجة عن إطالة الجلوس على مقعد أمام جهاز الحاسوب لأنها وضعية الكاتب الجسدية أثناء الكتابة.


وتصف «موران» وضعية الانكباب على لوحة المفاتيح أو الأوراق والتحديق في الشاشة أو في الورق لمدة قد تتخطى السبع أو الثماني ساعات في اليوم بأنها أشد خطورة على الجسد من أي شيء آخر، وبأنها لو أصابت بطل أفلام «جيمس بوند» لقتلته على الفور. وتزداد الآلام شدة مع استغراقها في عملها الكتابي وتجاهلها ما يحدث من ضغط أو جمود في مفاصلها وعمودها الفقري لحين إنجاز ما تعمل عليه، فلا تنهض من مكانها إلا وتحاصرها الأوجاع مثل انهيارات جليدية يصعب على أي إنسان تحملها.


وتؤكد موران على أنها عرفت من جميع الكتاب الذين تلتقيهم بأنهم يعانون هذا الألم الرهيب، لأنهم جميعاً يجلسون في أوضاع غير مستوية بغض النظر عن نوعية المقعد أو مدى توفر وسائل الراحة أو البيئة التي يعيشون فيها، ويغفلون عما يحدث في أجسادهم ما دامت الجلسة تتناسب مع لوحة المفاتيح وما دامت الأفكار تتدفق وتملأ الصفحات الفارغة. وبالنسبة لموران التي ولجت عالم الكتابة وهي في سن الثالثة عشرة، فهي لا تنوي الاستسلام أمام آلامها مهما أقنعتها بالتخلي عن الكتابة، فليس من السهل إقناع كاتب بأن سلامته الجسدية أهم من تأليف كتبه.