بين الفجأة والفجأة
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج





ماتت حمامة زاجلة وقصة حب . لم تصل الرسالة إلى جهتها البعيدة، وظل الإنسان ينتظر الرسائل حتى اندثار زمن سعاة البريد . لا انتظار بعد الآن، ولا أحلام تسور مسارات المدلجين في طرائق التائهين . لقد ذهبوا في دمعهم ولم يعودوا، وذهب معهم عصر الشوق والحسرات .


هذا هو العصر الالكتروني بامتياز . الإنسان ينام الكترونياً ويصحو الكترونياً . الحروب تقوم بكبسة زر، والأموات يشيعون إلى قبورهم في صمت، فيما الموسيقا الخافتة تنتظم القلوب في سلك واحد، والنساء الكفيفات واقفات على الشرفات . أمامهن النهارات المفتوحة على كل الاحتمالات، وأمامهن الأحرف الأولى المائلة كانكسارات ليالي الندم: النساء الكفيفات يجلن أيضاً . يحاولن أن يتلمسن ما ليس يلمح . نهر الأنامل يجري، الضفاف تناولنا ما نخلفه من ظلال ونمضي . تلفت صوب الطلول فتى واضح، واشتهى أن يكون المقاتل: هن له الساعد المر والحلو . هن له الحتف والاحتفاء .




والنساء الكفيفات يقرأن طالع أوطانهن . . يودعننا في الحروب الصغيرة، ثم يناولننا نور أعمارنا في اللقاء.




ذلك هو طالع كل منا، فلا نحتاج بعد ذلك إلى أية نبوءة جديدة . ينفتح الغد أمامنا وكأنه الأمس، ونذهب إلى مستقبل الحياة واثقين، وواثقين نذهب إلى مستقبل الموت .




أليست هذه أقدارنا في النهاية كما في البداية؟ أقدارنا وأعمارنا وأحلامنا وقبورنا؟ . . أليست هذه أيامنا وتقاويمنا وفصولنا؟ . . أليست هذه معانينا ومغانينا وسجلات أحزاننا؟ . . أليست هذه ترانيمنا والتفاصيل الصغيرة لجنازاتنا وإبداعاتنا؟




وها هو الولد الشاهق لا يتنكر ليوم ميلاده . لكنه ينسى . لكنه يحاول اختلاق نسيان لا يخطر على بال أحد سواه:




يتبعثر في آهة، ويؤثث غابات عينيه بالصمت .


والبنتْ


تغير مكياج أيامها . صوتها لم يعد خافتاً وتحدق في دمه، والسواعد مكتظة بهدير المصانع، والسفن الراسيات تقول موانئه كلها



. . صوتها لم يعد خافتاً، وهي له، داخل الفجأة وخارج الفجأة، صوابه المباغت .