قـرأتُ جــان بــول ســارتر
عبد الستار ناصــر
الدستور الاردنيــة





ما شغلني أديب ومفكر مذ كنت في العشرين من العمر ، كما شغلني جان بول سارتر ، حتى أنني ـ في أول رحلة إلى باريس في عام 1983 ـ طلبت من الأصدقاء رؤية المقهى التي يسكن إليها ، ويحتسي القهوة فيها ، إلى جانب رفيقة دربه الشائك (سيمون دي بفوار). وكان لي أن رأيت نفسي في المكان الذي جاءه جان بول سارتر مئات المرات ، وربما أبدع فيه الكثير من أعماله التي عرفناها منذ صبانا حتى وفاته عام 1980 ، بعد إصابته بسرطان الرئة: ذاك الداء الخبيث الذي أجهز على واحدة من أبرز عبقريات القرن العشرين.




قرأت جان بول سارتر بحب ممزوج بالخوف ، وكان لثلاثيته المسماة دروب الحرية (سن الرشد ، وقف التنفيذ ، الحزن العميق) أثرها الكبير في كتاباتي حتى يومنا هذا ، لكنني وقفت ـ كما التلاميذ ـ أمام بوابة (الوجود والعدم) ، وكثيراً ما حاولت أن أصل حتى نهايتها ولم أفلح.



كل شيء في سارتر العظيم لا يشبه ما لدى غيره من أقرانه الأدباء ، مهما كانت منزلتهم: فهو الوحيد في قارة أوروبا من رفض جائزة نوبل التي منحوها إليه في سنة 1964 مع تهمة جد قاسية سمعتها وقرأتها أكاديمية السويد بصمت موجع ومؤلم ، إذ قال لهم جان بول سارتر: إن هذه الجائزة تعمل على تكريس قيم المجتمعات البرجوازية ، والذين يمنحونها إنما يشترطون منحها لطبقة بعينها من الناس دون سواهم.



وبهذا ، فهو يتذكر بهذا الشأن قول برنارد شو الذي قال عن الجائزة نفسها: إنها طوق نجاة عظيم يُمنح للغريق ولكن بعد خروجه من بين أمواج الموت.



كما أن جان بول سارتر لم يقف عند حدود الكتابة الإبداعية والفلسفية والاكتفاء بها سلاحاً يحارب به الرجعية الفكرية آنذاك ، بل شارك في أبرز مظاهرات الشبيبة ، وكان له الدور الفاعل المتميز في ثورة الطلبة عام 1968 ، وأصدر مجلة سياسية وفكرية وفلسفية على جانب كبير من الأهمية والانتشار هي (الأزمنة الحديثة) التي يعاد طبعها حتى اليوم في مجلدات خاصة.



والذي شغلني في هذا الرجل الكبير علاجه لمفهوم الحرية ، حيث طغت على كتاباته فكرة أن الإنسان يولد حراً وينبغي أن يبقى كذلك ، بشرط أن لا تكون حريته على حساب حرية غيره من البشر ، ولم يكن اختياره (دروب الحرية) عنواناً لثلاثيته إلا تذكيراً بفلسفته وإعلاناً شخصياً عن الطريق التي يسلكها مهما كان حجم الأسلاك الشائكة التي حاولت جرح كرامته وإنسانيته. ولعل كلمة الرئيس الفرنسي شارل ديغول ، التي قال فيها: "إن سارتر هو أيضاً فرنسا" ، هي واحدة من تيجان هذه الشخصية التي أثارت الدهشة في قلوب المثقفين والمبدعين وعقولهم في كل أقطاب العالم ، فقد حاول بعض الغاضبين على فكر جان بول سارتر وفلسفته محاكمته والطلب من الرئيس ديغول الموافقة على تلك المحاكمة ، لكن المفاجأة كانت أكبر مما يحتمله أولئك الغاضبون ، عندما أطلق شارل ديغول تلك العبارة الخالدة: إن سارتر هو أيضاً فرنسا ، والذي يريد أن يحاكم جان بول سارتر فعليه ، قبل ذلك ، أن يحاكم فرنسا وسلوكها وأفكارها.



إنه واحد من أغلى ما أنجبت الطبيعة. أبصر سارتر ، ابن فرنسا ، النور في مدينة باريس عام ,1905 كان لموت والده أثر كبير في نفسه إذ فارقه ولم يزل بعد في السنة الأولى من عمره.


وعلى الرغم من أن جان بول سارتر جاء إلى الدنيا قصير القامة ، وبعاهة لا شفاء منها (هي انحراف عينيه بشكل يشبه ارتطام جدارين على باب واحد) ، لكنه تجاوز عاهته وقصر قامته أيضاً ، وراح إلى غابات الأفكار ، يعوم بين عام وعام في بحور حريته التي صنعها من دون إرث من أحد ، تشاركه في نزهة الوجود سيمون دي بوفوار التي رفض فكرة الزواج منها ، حيث يرى في الزواج ، بوصفه مشروعاً دائماً ، محض قيد لا ضرورة له. ومن المهم هنا قراءة ما كتبته سيمون في كتابها الرائع (أنا وسارتر والحياة): فهو تاج من نوع مختلف رسمته تلك الإنسانة المبدعة على رأس حبيبها الوحيد جان بول سارتر ، والذي بقي على رأسه حتى من بعد مماته ، إذ رحل (الملك السعيد) وما يزال الكتاب يطبع حتى يتذكر الناس ذاك الرجل القصير الذي لا يثير الشبهات على الرغم من ارتطام عينيه على أنف ما كان يناسب إلا نظارتيه وهما تمشيان معه طوال النهار وشطراً من الليل.



أخذوه أسيراً إلى ألمانيا في الحرب العالمية الثانية ، وبعد الحرب ترك مهنة التعليم التي مارسها في جامعات باريس ، وصار كل وقته للكتابة في الرواية والمسرح إلى جانب الكتابة في القصة القصيرة والسياسة والفلسفة. كان يعالج البشرية بطريقته المتميزة ، وأظنه كان أفضل طبيب لأصعب أمراض الإنسان في القرن الذي انقطعنا عنه منذ أعوام بعيدة.



أجل ، ما شغلني كاتب كبير كما هو الحال مع جان بول سارتر: فقد أنقذني من عبودية الرتابة ، وأرغمني على نيل حريتي ، وعلمني متى وكيف أفصل نفسي عن (الغوى والغرور وأمراض الوجاهة) ، وكيف أتحرك باتجاه الحرية قبل أن يلفني

(العدم) ، وأنْ لا يبقى من أثر للوجود.. وجودي أنا.



ترى ، هل من سارتر آخر يمكنه أن يأتي في زمن الفوضى الذي نحن فيه؟.