|
|
نصف ليمونة ومًلح!
* فيروز التميمي
الدستور الاردنيــة
في فيلم "نادي القتال" ، يوجّه البطل المختلّ فوهة مسدسه إلى صدغ عامل آسيوي بائس مرّ بالصدفة أمامه ، و(يتكّ) مسدسه ، بينما المسكين يرتجف ذعرا للحظات ، ثم يبعد المسدس ، وينهره: إنجُ بجلدك ، لقد بدأت حياة جديدة ، اذهب واستمتع بكل لحظة منها. ثم يأخذنا الفيلم في مسارات أخرى ، لست مهتمة بها قدر اهتمامي بماذا سيفعل رجل وُهب حياته ، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من الضياع ، مجّاناً؟
أما في رواية "غرفة ترى النيل" لعزت القمحاوي ، فنجد للحرية تعريفاً آخر ، وهو إمكانية استخدام فرشاة الأسنان، الفرشاة التي حُرم منها الراوي خلال اعتقاله ، وكان يخشى أن يعلم السجّانون بنقطة ضعفه هذه فيستخدموها ضدّه. أَعدّ ألف حرية صغيرة لا نتوقف عندها في أيامنا ، منذ أن نفتح أعيننا صباحاً إلى أن نغلقها مغادرين إلى موتنا المؤقت ، الذي لا نحتفل بما يليق بعودتنا منه كل صباح.
في مدينة عربية ، انتبهت خلال تناولي الغداء في مطعم إلى أن مكبرات الصوت تبث موسيقى خافتة على استحياء. لكزت زميلة تجاورني لتصيخ السمع فانتبهتْ وتشاركنا الفرح بأعطيات متاحة يومياً ، في ظروف حياة اعتيادية لم تُفرًحنا إلا في ظروف حياة استثنائية.
تمنيت يوماً لعزيز عليّ أن يصاب بالسرطان، كانت أمنيتي تلك مقايضة مؤلمة أردتها له بديلاً عن مرض غامض ألغاه وهو ما زال بجسده بيننا ، وكنا عاجزين عن استبقاء صورة معافاة له في أدمغتنا المرهقة. كان السرطان يومها إحدى الهبات التي لا ندرك قيمتها إذ يستأثر بالجسد وحده وتبقى الروح والذاكرة معافاة. إحدى الهبات التي لا ندركها سوى حين يمرّ أحبتنا أمام أعيننا بكومة من الآلام فوق البشرية والتي لا يمكننا الإمساك بها ولا تخليصهم منها. فلتتألق إذن الكليشيهات المكرورة عن "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى" إذ نتوقف رغم أنوفنا لنحسّ معناها.
هل نحتاج بالفعل إلى (تكّة) مسدس أو حادث شنيع ننجو منه بأعجوبة كي نتذكر أن نثمّن ما اعتدناه حتى لم نعد نراه؟ نحمد الله أن البديل عن (التكّة) المرعبة والحادث البشع متوفر دوماً في الاضطرار، اضطرار يخرجنا من مألوفنا المريح إلى ما يخنقنا ويجعلنا نكتشف لحظة بلحظة متعة الموسيقى في مطعم ومتعة الضحكة الحلوة التي تنسكب في آذاننا صباحاً فلا نسمعها وسط لهاثنا ، ومتعة الحركة الحرّة دون سياج ومتعة الشبابيك التي بلا ستائر معدنية مصفحة والقمصان قصيرة الأكمام. اضطرار يكشف لنا دون مجاملة ودفعة واحدة كل ما فقدناه فور انغماسنا في اضطراراتنا المؤقتة.
في إحدى الشتاءات ، حدث دلف من سقف بيتنا فوضعنا طنجرة وسط غرفة المعيشة لتتلقى الدلف إلى أن يتم إصلاح السقف ، وكما هو متوقع ، ضاعت نوايا الإصلاح الطيبة مع الأيام وبقيت الطنجرة مكانها ، لكن ما اختلف هو أننا اعتدنا وجودها حتى صرنا ندور حولها في مرورنا الساهي وما عاد أحد يتساءل: لم هذه الطنجرة هنا؟ الاعتياد يغلّف الأعين فيجعلنا نرى ما هو ناشئ طبيعياً لا أكثر.
حتى الطبيعة تعتاد الخطأ ، فمرتدو النظارات الطبيّة يعرفون أن ارتداء نظارة طبيّة ذات قياس خاطئ ، يجعل العين تتأقلم مع القياس الخطأ وتعتاده. الاعتياد يغلّف أعيننا فيعمينا عن رؤية المتاح. نحن مثل أعيننا أيضاً ، نعتاد. حتى الأشياء الجميلة ، نأخذها بحكم المضمون ، فيصير طول البال وسعة الأفق وانفتاح العقل ضربة لازمْ على صاحبه لا فعلَ كرمْ نادرا يعزّ مثيله ، يصير مجانياً.
أمرّن قدميّ على (القسدرة) خارج سياج الاعتياد. أرغم نفسي على التفكير في ما هو موجود أمامي منذ الأزل. أستغرق في فكرة القًبلة التي يتجه إليها المصلّون خمس مرّات في اليوم، أتأمل كم الفكرة طفولية، كأن الأرض صحراء كبرى ، ونظرتك سهم خفيف لا ينطبق عليه قانون المقذوفات الحرّ ، نظرتك سهم ينطلق طائراً بموازاة سطح الأرض إلى أن يصل القًبلة. نظرتك حجر يوازي الأرض.. يسير يسير.. ويطير يطير.. حتى يصلها. نظرتك تخترق الناس والمواقيت والحيطان والأسوار والأسى والأغنام السارحة في المراعي والسيارات الجاعرة في الطرقات.. وتتجه إليها.
في قلبي ، أمسك نصف ليمونة وقليلاً من ملح الليمون ، وأبدأ - متوجّهة للقًبلة وممتنّة للاضرارات - بتلميع كل نحاسات أيامي التي بهت ألقها بفعل الزمن حتى تعود لتشعّ من جديد.