لمـاذا تجـاهـلت فـدوى طـوقــان أنور المعداوي في سيرتها؟

* مقال سمير الشريف





قفزاً عن حواجز العرف الأدبي في ما يتعلق بحياة الأديبات ، فاجأتنا فدوى طوقان ، من بعد رحلة عمر غلفت فيها نفسها وغلفتها الظروف ، فتقوقعت ولم نعرف عن حياتها الكثير.


نحن أمام باب واسع لمطالعة اعترافات شاعرة ، عسى أن نضيء جوانب من عالمها الذي سيغنينا ، ويضيف لنا الكثير. نقول هذا والفرحة تغمرنا لما لهذه الخطوة من أهمية على صعيد إثراء الأدب العربي ، لا سيما أن رفوف أدب الاعتراف لدينا شبه فارغة.


إن حلقات الاعتراف التي روتها فدوى ، بقلمها ، على صفحات مجلة ثقافية عربية ، ونشرت من ثم في كتاب ، تضعنا أمام محاور أولية ، تكاد تكون القاسم المشترك في أبعاد حياة الكاتبة.


أول المحاور التي يمكننا الوقوف أمامها هو ظاهرة عدم التوافق بين فدوى وأسرتها ، الأمر الذي وقف من وراء هروبها للبحث عن وسائل أخرى لملء الفراغ الناشئ بالقراءة ، لتتمكن من العثور على أجزائها الضائعة ، ولبثت في المدرسة - المكان الرحيم بها ، حيث الصديقات والمعلمات والكتب - لتصبح المدرسة ، من ثم ، بديلاً ، عن البيت الذي لا تطيق العيش فيه.


القراءة هي البداية المهمة التي تحتفظ بها في الذاكرة ، مرتبطة مع عدم الانسجام ، "ولكن الذي أذكره ، بوضوح ، استمتاعي دائماً بمحاولة القراءة.. قراءة أي شيء مكتوب وقع عليه بصري... في المدرسة تمكنت من العثور على بعض أجزاء نفسي الضائعة ، فقد أثبتُّ وجودي ، الذي لم أستطع أن أثبته في البيت: لقد أصبحت المدرسة أحب إليّ من البيت ، والمكان الأكثر ملائمة لي".


المحطة الأخرى هي اختلاجات الحب الأول لمراهقة لا تعرف عنه غير محرمات لا يجوز ذكرها في حضور الأهل ، وكيف ذاب القلب بانفعالات ولّدتها أغنيات عبد الوهاب:"تعالي نفن نفسينا غراما" ، و"قلب بوادي الحمى خلّفته رمقا". وكيف أن التقاليد كانت سيفاً قطع براعم حب اختنق قبل أن يرى النور ، ليجهض في رحم الزمان ، من دون أن تبدي صاحبته ، التي يسكنها الخوف ، أي اعتراض.


يجدر بنا التوقف ، هنا ، لدى البدايات التي أرى أنها من أسباب عزلة الشاعرة ، وهي انكشاف أمر علاقتها العاطفية في مراحلها الأولى ، ثم ما كان من هبوب زوبعة التقاليد في وجهها ، وما تبع ذلك من تهديد من ذويها ، حتى تمكن أحد إخوتها من إصدار حكم بالإقامة الجبرية المؤبدة ، "قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف ، ذاهلة لا أكاد أصدّق ما حدث...".


ليت الأمر انتهى ، امتدت ألسنة النيران تلتهم أخلاقها خارج حدود البيت ، وأصبح الأقارب ينظرون إليها نظرة لا تخفى معانيها ، الأمر الذي سبّب عقدة جعلتها غير قادرة على النظر إلى الناس ، ورفع رأسها في وجوههم ، "انزرعتْ في نفسي الغضةً فكرةّ سيئة عن هذه النفس ، خلقتْ فيّ عادة السير وأنا مطأطئة ، لا أجرؤ على رفع عيني".


هذه المحاور ، ولّدت لدى فدوى إحساساً مكثفاً ، اختلط بالأعصاب المتوترة ، لتصب جميعها في بحيرة يرتفع فيها منسوب شعورها بالظلم من الأسرة التي أوصدت أبواب طموح الإبنة بأقفال حديدية. لهذا ، ليس غريباً على فتاة مثقلة بالإحساس أن تفكر في الانتحار.


شعور ساحق بالظلم هو الذي جعلها تدخل المطبخ وتقف عند صفيحة الكاز تحمل بيدها عود ثقاب ، لكنها لا تنفذ الهاجس الذي عرض لها: لأنها تحسب بعقلية الفتاة الغضة ، وتفكر في ألم الحريق الذي لن تستطيع تحمله. تتراجع إلى حين ، عساها تفكر في مخرج جديد ، أقل عنفاً ، كتناول السم.


فكرة الانتحار ، إذنْ ، ترسبت في ذهنها بشكل مريع ، واعتبرته وسيلة تمكّنها من ممارسة حريتها من دون تدخل من أحد ، وأداة تعلن من خلالها رفض الظلم الواقع من الأهل.


كيف تكون نفسية من مرت بذهنها هذه الخواطر؟ هل تنام قريرة العين وتمارس حياتها تحت الشمس؟ أي أتون تحترق فيه ، وأي عذابات تكتوي بآلامها؟ من هو ذاك العجوز الذي يتمثل لها في أحلامها: يطاردها في الصحو واليقظة؟ هل سببت لها كل هذه العوامل انفصاماً جعلها تعيش بشخصية مع أهلها وبأخرى مع ذاتها؟ "رحت أتحصن بالعزلة ، كنت مع العائلة ، ولكن حضوري كان ، في الواقع ، غياباً إلى أبعد حدود الغياب".


من بين هذه الأمواج النفسية الصاخبة ، أخذت قدرتها على الانفصال عن عالم الواقع والاستغراق في أحلام اليقظة التي تتعاظم.


اعتماداً على ما سلف ، نستطيع فهم ما تكابده الكاتبة في قولها:


"كان لي الحب مَهرباً احتمي فيه ،

إليه أفر من مأساتي.

كان دنيا في أفقها الرحب

استرجع حريتي ، أحقق ذاتي

نشوة الانتقام من جلادي

وأنا في مشاعر الحب غارقة ،

وهو خلف الأبواب بالمرصاد.

أبوسع السجون خنق الأحاسيس

وقتل الحياة في الأعماق؟

ولقد كنت أنزوي والأسى يطحن

نفسي الطموحة المخذولة

ووراء الجدران تصخب دنيا

الانطلاقات والحياة الجميلة"


ولم تبق جميع الأبواب موصدة أمام الصغيرة ، فمع وجه أخيها إبراهيم أشرقت الدنيا على حياتها: هذا الرجل الذي استطاعت من خلاله أن تتلمس بصيص النور في العتمة الداجية ، فأسهم في انتعاش روحها ، ولو بشيء ضئيل:"كان تعامله معي يعطيني انطباعاً بأنه معنيّ بإسعادي ، وإشاعة الفرح في قلبي".


استطاع الشاعر أن يخرج الفتاة من عزلتها ، مؤقتاً ، بنزهات إلى تلال نابلس ، فأدركت أهمية إبراهيم بالنسبة لها على اعتباره رئة تتنفس بها ، وعينا بها ترى من حولها. لذلك ، لم تتنكر للجميل ، فوقفت نفسها من دون إخوتها جميعاً ، على خدمة إبراهيم الذي مثّل لها في مرحلة ما المصح النفسي الذي أوقف انهيارها.


يحضرني في هذا المقام صفحة ناصعة تضاف إلى أدب البوح في مكتبتنا ، وهو كتاب "صفحات مجهولة في الأدب العربي" لرجاء النقاش الذي جمع فيه رسائل أنور المعداوي ، وفدوى طوقان ، مما أهمله الدارسون الذين توقفوا مع اعترافاتها من دون أن يذكروا المحطة الغنية في تجربتها الوجدانية الغنية التي أفاضت بذكرها عبر مراسلاتها مع المعداوي ، وكان للنقاش فضل جمعها وتقديمها للوسط الثقافي.


يستوقف المتابع أن فدوى التي أنكرت ، في رسالتها ، على الناعوري إنكاره قصة الحب بينها وبين أنور ، وهي التي سلمت بنفسها رسائل أنور إلى رجاء النقاش ليتولى أمرها حائكاً حولها قصة الحب ، هي نفسها التي تجاهلت ـ في سيرتها الذاتية بجزأيها ـ الإشارة إلى هذه القصة.


لماذا أسقطت أنورالمعداوي من سيرتها ، وهو عرّابها الأمين؟ لماذا ضنت عليه بكلمة ، مع أنها لم تغفل أسماء عدة عابرة ، حتى إنها تجنبت مجرد الإشارة الموضوعية البحتة للدور الكبير الذي لعبه في مسيرتها الشعرية؟ والمعداوي هو من كان يقرأ قصائدها ويعطيها رأيه النقدي ويشجعها على مزيد من الإبداع ، وهو الذي تولى ـ بنفسه ـ ديوانها الأول من اختيار العنوان ، إلى المراجعة ، إلى اختيار الجهة الناشرة ، إلى الصف والتدقيق ، والإخراج الفني ، وحتى صورة الغلاف ، ومن ثم الإيعاز للوسط الثقافي في القاهرة بكتابة مراجعات للديوان.


* الملحق الثقافي
* الدستور الاردنيــة