داغستان بلدي
رسول حمزاتوف



يقول رسول حمزاتوف في كتابه " داغستان بلدي " :

عندما ولدت , دعا والدي إلى بيته وجوه أهل القرية تنفيذاً للتقليد المتبع .

جلس وجهاء القرية في وقار ورزانة في أنحاء البيت وكأن عليهم أن يقرروا مصير بلد بكامله .

كان كل منهم يحمل بين يديه جرة ذات بطن من صنع خزّافي بلخاريا .

وفي جرارهم كانت توجد بالطبع , بوظة مزبدة . واحد منهم فقط ذو رأس ولحية أبيضين كالثلج ,

هو أكبرهم , كانت يداه طليقتين .

هذا الشيخ هو الذي سلمتني إليه أمي آتية من غرفة أخرى .

كنت أتخبط بين يدي الشيخ , وكانت أمي تقول له :

ــ أنت غنيت في يوم فرحي , وكنت تمسك الطنبور تارة , والدف تارة أخرى . كانت أغانيك جميلة

فأي أغنية ستغني الآن وأنت تمسك صغيري بين يديك ؟ ...

ــ يا امرأة , الأغنيات ستغنيها أنتِ أمه وأنت ِ تهزين سريره .

بعد ذلك فلتغن له الطيور والأنهار ولتغن له أيضاً السيوف والرصاص . وأفضل أغنية فلتغنيها له عروسه

ــ سمّه إذاً . ولأسمعن أنا أمه . ولتسمع القرية كلها , وداغستان كلها الاسم الذي ستدعوه الآن به

رفعني الشيخ عالياً إلى سقف البيت وقال :

ــ أسم البنت يجب أن يشبه بريق النجمة أو لطف الزهرة . واسم الرجل يجب أن يتجسد فيه

صليل السيوف وحكمة الكتب . لقد عرفت الكثير من اأسماء , وأنا أقرأ الكتب , وسمعت الكثير

من الأسماء في صليل السيوف , وكتبي وسيوفي تهمس لي الآن بالاسم ــ رسول .

انحنى الشيخ الذي يشبه النبي فوق أذني وهمس قائلاً :

ــ " رسول "

ثم انحنى فوق أذني الثانية وصرخ بصوت عال : " رسول " . ثم أعطاني , أنا الذي كنت أبكي

إلى أمي , وقال متوجهاً إليها وإلى كل الجالسين في البيت :

ها هو ذا رسول .



* يقول رسول حمزاتوف في " داغستان بلدي " :
روي لي :

بعد ولادتي مباشرة ,اضطر والدي بسبب شؤون الخدمة للانتقال مؤقتاً إلى قرية أراديريخ .

وضع والدي على سرج جوادنا خرجاً جمع في أحد جانبيه كل عفش بيتنا من ملابس وبقايا

طحين , وطحين شوفان ودهن وكتب . وفي الجانب الآخر كنت أطل برأسي .

بعد أن وصلنا , مرضت أمي مرضاً شديداً . وفي القرية التي انتقلنا إليها حدث أن وجدت امرأة

مسكينة وحيدة مات صغيرها منذ مدة . هذه المرأة الآراديريخية أخذت ترضعني , فأصبحت

مرضعتي وأمي الثانية . وهكذا أنا مدين لامرأتين على هذه الأرض . ومهما امتد بي العمر ,

ومهما فعلت لهاتين الامرأتين وباسمهن لن أفي مالهما علي من دين , فدين الأبناء لا نهاية له .

هاتان المرأتان إحداهما أمي , تلك التي ولدتني , وأول من هز سريري , وغنى لي أولى الأغنيات

وتلك الأخرى , التي قدمت لي صدرها حين كان محكوماً علىَّ الموت فبدأ دفء الحياة يدب

فيّ فتحولت من درب الموت الضيق إلى طريق الحياة , هي أيضاً أمي .





* يقول رسول حمزاتوف في " داغستان بلدي " :

ليس هناك يوم واحد يمر , أو دقيقة واحدة تمر دون أن تحيا في نفسي تلك الأغنية , التي غنتها

لي أمي فوق مهدي , وتردد بين ضلوعي .

هذه الأغنية هي مهد كل أغانيّ .

إنها المخدة التي أسند إليها رأسي المتعب , وذلك الفرس الذي يحملني في أرجاء الدنيا كلها .

إنها النبع الذي أنهل منه في عطشي , وذلك الموقد الذي يدفئني والذي أحمل دفئه في حياتي .




* يقول رسول حمزاتوف في " داغستان بلدي " :

يوم غادرت قريتي لأول مرة في سفر , وضعت أمي على النافذة مصباحاً موقداً . كنت أسير

وألتفت , ثم أسير , لكن ضوء بيتنا كان يتلألأ خلال الضباب والظلام .

ظل هذا النور في النافذة الصغيرة يضيء لي سنوات طويلة كنت فيها أجوب العالم .

ولما عدت إلى بيت والدي ونظرت من هذه النافذة من داخل البيت , رأيت كل العالم الواسع

الذي استطتأن أجوبه في حياتي .



*و يقول رسول حمزاتوف في " داغستان بلدي " :

فتاة جبلية عرفت نشوة الحب , تطلعت من النافذة عند الصباح وصرخت :

ــ آه ما أجمل الزهر على الأشجار .

ودمدمت أمها العجوز .

ــ وأين ترين الزهر على الشجر . إنه الثلج . نحن في أواخر الخريف وأوائل الشتاء .



*و يقول رسول حمزاتوف في " داغستان بلدي " :

يذكر الناس أمهاتهم بصور مختلفة .

أما أنا , فأذكرها صبحاً وطهراً ومساءً .

في الصباح تعود من النبع بجرتها المملوءة ماء .

إنها تحمل الماء وكأنه أثمن ما في الوجود .

ها هي ذي تصعد الدرجات الحجرية وتضع جرتها على الأرض , وتبدأ في إشعال النار في الموقد .

تشعلها وكأنها أثمن ما في الوجود .

توقدها وهي ترنو إليها في وجل أو انبهار , لا أدري .

وإلى أن تشتعل النار كما يجب , تهز والدتي السرير .

تهزه وكأنه أثمن ما في الوجود .

تأخذ أمي الجرة الفارغة لتأتي بالماء من النبع . ثم تشعل النار , ثم تهز السرير .

وفي المساء تجلب أمي الماء في الجرة , وتهز السرير وتشعل النار .

هكذا كانت تفعل كل يوم من أيام الربيع والصيف والخريف والشتاء .

كانت تفعلة في تؤدة ووقار وكأنه أثمن وألزم ما في الوجود .

تجلب الماء تهز السرير . وتشعل النار .

تشعل النار . تجلب الماء . تهز السرير .

تهز السرير . تشعل النار . تجلب الماء .

كانت تقول لي دائماً وهي ذاهبة لجلب الماء :

ــ " انتبه للنار " .

وعندما كانت تهتم بالنار , كانت توصيني قائلة :

ــ " لا ترق الماء " .

وكانت تقول لي أيضاً وهي تهدهدني :

ــ " أبو داغستان النار , وأمها الماء " .

لكن أطيب نار وأدفأها تكمن في قلب الأم وفي موقد كل بيت .




* يقول رسول حمزاتوف في " داغستان بلدي " :

سئل أبو طالب ذات مرة :

ــ كم شاعر في داغستان ؟

ــ نستطيع أن نعد ثلاثة , أربعة ملايين .

ــ كيف هذا وشعبنا لا يتجاوز المليون !

ــ في كل إنسان ثلاثة أربعة مغنين , لكنهم لا يغنون كلهم ولا يغنون دائماً . ولكنهم لا يعلمون .

ــ مع هذا , من أفضل مغنيكم ؟

ــ نجد دائماً من هو أفضل مغن لكني أستطيع أن أذكر واحداً .

ــ ومن هو ؟

ــ الأم الداغستانية . كما نستطيع أن نعد ثلاث أغنيات فقط عند الجبلين .

ــ ما هي ؟

ــ الأولى تغنيها الأم الجبلية حيث ترزق ابناً وتقف فوق سريره .

ــ والثانبة تغنيها الأم الجبلية حين تفقد ابنها .

ــ والثالثة ؟

ــ الاغنية الثالثة هي كل ما عداهما من أغنيات .

أجل ..

الأم ..... الشاهد الصادق وإن يكن على ما يزهر ويذوي , يولد ويموت , يأتي ويروح .

الأم التي تهز السرير وتمدد طفلها على ذراعها , وتضم إليها ابنها الذي يتركها إلى الأبد .

ها هو الجمال .

ها هي ذي الحقيقة .

ها هو ذا الشرف .

الناس يكونون طيبين وسيئين ..

حتى الأغنيات تكون أفضل أو أسوأ , لكن الأم وأغنية الأم رائعتان دائماً .

إني لا أذكر بالطبع الأغنيات التي غنيت فوق نهدي .

لكنني أنصت فيما بعد , وفي قرى عديدة إلى كثير من الأغنيات الجيدة بما فيها أغنيات المهد .