شاعــر الزمــن الأخيــر

نبيل سليمان

الثورة السورية

* * *

:«امنحوني شكل موتي رحلتي المنكسرة
شيعوني أنا والنغمة في موكب صمت‏
شيعوها... لغتي المنتصرة»‏
هكذا أوصى الشاعر السوري الكبير علي الجندي منذ عشرات السنين، كأنه يقف على حافة القبر.


لكن العمر امتد به منذ عام 1928 حتى 2009، وهو من كان شاعره النموذجي طرفة بن العبد، وفيه يقول منذ بلغ الأربعين: «هوى يافعاً وما أزال أهرم، إلا أننا نتفق في شيء أساسي هو أننا معاً عرضة للانهيار في أية لحظة وأن «السرطان» يقرض حياتنا أبداً».‏


لطرفة أوقف علي الجندي قصيدته الطويلة ـ ديوانه «طرفة في مدار السرطان ـ 1975». وكان قد نشر «نشيداً منها» في مجلة الآداب عام 1971 وأهداه إلى «بروميثيوس الجديد: الشاعر محمود درويش». وقبل ذلك كان قد أصدر «الراية المنكسة 1962 ـ في البدء كان الصمت 1964 ـ الحمى الترابية 1969 ـ الشمس وأصابع الموتى 1973 ـ النزف تحت الجلد 1973. ومن بعد ستتناءى إصدارات علي الجندي الشعرية: بعيداً في الصمت قريباً من النسيان 1980 ـ صار رماداً 1987 ـ سنونوة للضياء الأخير 1990...» أما أعماله الكاملة فقد صدرت عام 1998. وإلى ذلك ترجم عن الفرنسية لكاتبه الأثير ألبير كامو، كما قرر ألاّ يصدر في كتاب ما كتب من النقد، وهو يسير ومتعلق بالصحافة، ومن أشهره المعركة المدوية بينه وبين حيدر حيدر حول مجموعة الأخير «الومض» قبل أكثر من ثلاثة عقود. وما لم يكشف رحيله عما إن كان قد ترك مخطوطات، فإن انعطافه بحياته من دمشق إلى اللاذقية منذ عقدين، قد تزامن مع خفوت صوته وانزوائه في الهامش، وهو من ابتدأ حياته الشعرية كبيراً بين الكبار: بدر شاكر السياب ومحمد الماغوط وأدونيس ونزار قباني و... ولا ننسى أنه قادم من السلمية «وسط سورية» التي أنجبت محمد الماغوط وفايز خضور. كما لا ننسى أن علي الجندي قادم من الأسرة «الإشكالية» التي قدمت في الثقافة عمه أحمد الجندي وأشقاءه سامي الجندي وإنعام الجندي وعاصم الجندي، كما قدمت في السياسة خالد الجندي.‏


من كلية الفلسفة في جامعة دمشق، تخرج علي الجندي عام 1956. وفي عهده الجامعي مارس تمرده الرواقي العبثي الخرافي، بعبارة الشاعر والناقد وفيق خنسة ولئن كان قد بكر إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، فإن افتتانه بالشعر والثقافة والجسد والحياة، دفعه خارج السياسة، مثلما فعلت به هزيمة 1967، فظل ذلك المفتون ببايرون، وقد أشبهت رحلة عمره رحلة دعبل بن علي الخزاعي، فكل منهما حمل خشبته دهراً دون أن يجد من يصلبه عليها. على أن علي الجندي ظل مسكوناً بالرعب من الموت إذا ما صدق شعره. وفي شعره كما فيما يعرف المقربون من سيرته، وكما عبّر غير مرة، يهرب من الموت إلى الشعر والموسيقى والخمرة والجنس، فيقول في قصيدة رقصة جنائزية «وأنا العربيد الكهنوتي» و»وأنا السكير الموشوري». ويقول


في قصيدة الحجر والماء:‏

«إني تمثال طيني..‏
مصلوب في الشرفة وحدي‏
مسحوب مني روح الإنسان‏
.. وسريعاً تنطفئ الشعلة في ثقبي وجهي‏
أغدو تمثالاً من حجر الصوان».‏


على أن «الموت» ليس إلا واحداً من عناصر عالم علي الجندي. فهذا العالم مصوغ من الحزن والوحدة والصمت والعجز واليأس، فضلاً عن الكأس والجنس. وهذا العالم هو أيضاً عالم الطبيعة وعالم الرومانسية والرمزية بامتياز.


وعن بعض ذلك عبر في إدغامه عنوان قصيدته ـ ديوانه: «في البدء كان الصمت» بالعبارة الإنجيلية «في البدء كانت الكلمة»، ليستوي الصمت بالكلمة. ومما رسم علي الجندي لنفسه في عالمه ذاك قوله في قصيدة النبوءة:‏


«فأنا القنديل المتروك وحيداً عند حدود الصحراء‏
وأنا الصبارة رافعة أيديها للريح وموسيقا الأنواء‏
وأنا التينة ـ إن شئتم صلبي ـ العجفاء‏
جذري يتغذى من قصة قابيل بدمع وماء‏
وأنا في بذرة تفاحة حواء‏
وأنا آدم أو إبليس الخائف من صوت الحوباء».‏


في عام 1970 في مجلة الطليعة السورية المحتجبة، تحدث علي الجندي عن ازدواجيته بين الأنا النثري «الاجتماعي» والأنا الشعري «الذاتي». وقد حكم على أفلاطون بالفشل لأن له أنا واحدة، وليس أنيين، أي لأنه يفتقد تلك الازدواجية العتيدة. وقد آثر علي الجندي في شعره الموسيقى المنسربة بنغمات طولانية متهادية تنتهي بإيقاعات وقوافٍ أشبه بالقرار في رحلة ينبوع. وإذا كان علي الجندي قد ظل وفياً للتفعيلة وللتقفية، ولم تمل به من قصيدة النثر ـ على الرغم من حديثه عن مجموعة منها جاهزة للطباعة منذ عقود ـ فقد كانت له مغامرته الكبرى في اكتشاف وإبداع علاقات جديدة بين الكلمات والتراكيب، وكذلك تركيب الصور على نحو كثيراً ما يبلغ التعقيد والغموض. ومن ذلك أن يبني صورة واحدة متعددة العناصر ومترامية، أشبه بلوحة يتفتق فيها كل جزء عن الآخر، كما في صورة الشمس في قصيدة «الشمس وأصابع الموتى»، وكما في قصيدة «القلب على نافذة الشمس» حيث تتوالى الشمس القطبية والشمس الليلية والشمس الثلجية والشمس الذرية والأسراب الشمسية.. وإلى مثل هذه الصور المركبة، يبدو الشاعر مثل رسام تجريدي وهو يرمي بالصور الجزئية الجديدة غالباً، كما لو أنه يرمي لقطات غزيرة مشتتة، كما في قصيدة «اللحظات المنقرضة» وقصيدة «قصة جنائزية».‏


عندما كنت وبو علي ياسين نعدّ لكتابنا «الأدب والإيديولوجيا في سورية» كتب لنا علي الجندي في شهادته المؤرخة في كانون الثاني/ يناير 1973: «كانت عائلتي إسماعيلية ـ آغا خانية.


ثم تمرد والدي ظاناً أنه يقوم بثورة، ونال في سبيل ذلك اضطهاداً اجتماعياً وفرنسياً وفقراً.. وقد عشت فيما يشبه قرية بين الفلاحين حتى العشرين من العمر «...» متعب، وأكاد أكون يائساً. كنت من مؤسسي اتحاد الكتاب، بقيت في مرحلته الأولى نائباً للرئيس، ثم حل المكتب الذي كنت فيه، واستقلت من الاتحاد بعد أشهر.


ليس لي مطامح بالمعنى المعروف. كل ما لدي رغبتان وبعض أحلام صغيرة، أشرب وأسهر، وأمارس الجنس بضراوة مرضية ـ ربما ـ و... أكتب فقط». ومن قبل كان قد عبر عما يعتريه حين يكون في «حال شعرية» حيث ينقلب إلى إنسان على حافة الانهيار، متقلقل كبهلوان على حبل رقيق، يوشك أن يسقط دون أن يدري إلى أين وهو يصف تلك الحالة بأنها غير بشرية، قد تكون قريبة من الجنون أو الدوار، تمحي فيها أهداف ورغبات ومشاكل العالم، ولا يبقى سوى الإحساس الذي يملأ الشاعر. ولا تخفى الدلالة الكبرى فيما ذكر الشاعر من أنه وقّع مرة لشاعر من ستينيات القرن الماضي بعبارة «من شاعر الزمن الأخير» مذكراً بأبي العلاء المعري الذي لقب نفسه بهذا اللقب. ومن طرفة بن العبد إذن إلى أبي العلاء المعري إلى بايرون ينسج علي الجندي نسبه وهو يجأر:‏

«ما نفعل في دنيا لا تحتمل الشعراء؟‏
مانفعل في دنيا ليس بها شعراء؟»‏
أو وهو يتهجّد في حضرة الجسد:‏
«صدر حبيبي جنة موسيقى وبهار‏
ثغر حبيبي عنب غيبي ومحار‏
عيناه شرار‏
كتفاه سلالم مسحورة‏
والسرّة قارورة طيب محظورة»‏


وبمثل ذلك تنداح غرر قصائده: «تل الزعتر ـ من قتل صديقي غسان ـ سنونوة للضياء الأخير...» وفي الأخيرة التي جاءت عام 1990 يقول:‏
«وأرجوك يا ربة النوم والأشتات الخفية‏
أن تحملينا معاً نحو وسط البلاد البعيد‏
تبني لنا في الرمال البريئة كوخاً من اللون‏
والصدفات الفقيرة والقصب الهش‏
نأوي إليه أخيراً‏
فنرتاح من كل هذا اللهاث التعيس‏
لنبدع أدمعنا خرزاً لامعاً‏
مثلما شاءت الأنظمة‏
وعند شروق البشائر والفجر‏
نبدع أغنية معتمة».‏


ومن اللافت بقوة أن النقد والصخب معاً قد التفتا عن علي الجندي منذ اختار الإقامة في الهامش والصمت، فهل سيكمل الموت الطامّة بالنسيان؟‏