النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الزمان المنسي قصة فيصل خرتش

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    06 الزمان المنسي قصة فيصل خرتش

     

    الزمـــان المنســـي


    قصــة:

    فيصل خرتش

    * البيان الامارتية









    بعد ثلاث ليالٍ من السهر في باريس التي كانت يوماً ما مربط خيلنا، كان لابدّ مما ليس منه بدّ، قلت له بصيغة السؤال، ويظهر أنه كان يتوقع مثل هذا السؤال أن يقذف في وجهه، فقد أخبرته على الهاتف أن هناك أمراً مهماً يجب أن نخلّصه.





    ـ لماذا لا تعود إلى الوطن، هل اثنان وعشرون عاماً لا تكفيك كي تشبع من هذا البلد، هل أنت ملاحق سياسياً... هل شتمت أحداً، تفضل قل لي.وانفعل ثم أشعل سيجارة وراحت أصابعه ترتعش، وتغيّر لونه، وأصبح لونه يميل إلى اللون الداكن، فقلت لنفسي ماذا فعلت بصديقي «يوسف»، بررت الموضوع بأنه سيحكي. وفعلاً حكى، قال ما مفاده، وسأحول تخليص قصته، رغم أنني لا أحبّذ ذلك.عندما جئت فرنسا، وجدتها بلداً جميلاً، ومن يعمل يأكل ويسكن ويدفع الفواتير ويرفع له كمية من النقود في البنك تلزمه لأيام الشدّة، ومن لا يعمل يعيش على قارعة الطريق.أعجبتني جملة «على قارعة الطريق» فيوسف لم يدر ما فعلته المجامع اللغوية في لغتنا من تطوير وإضافة، قلت لا تفسد الجلسة، دعه يتكلم.



    وأشعل سيجارة ثانية، وراح يصبّ في حلقة الكلام الأولى، كنت في «باريس»، أحضّر رسالة الدكتوراة، عندما زارني «فرحان» بتوصية من صديقنا الثالث «مالك»، عرفته مالك أليس كذلك؟





    قلت طبعاً أعرفه، وهل يخفى القمر.





    عبدالله هذا، كان قد أنهى دراسته في الكلية، وجاءته منحة الإيفاد إلى فرنسا. وباعتبار أن مالك يعمل معيداً، قال له: «سأنفعك بشيء تدعو لي عليه حتى توصلني الجنة».





    وما هو الشيء يا محترم، (نظرت حولي علّ أحداً ما يجلس معنا)، وعندما لم أجد تابع صديقي «يوسف»...





    وقد أرسله إليّ... هنا في «باريس»، فقد طرق باب البيت، وعندما فتحت، قال أنا «فرحان»، قلت: أهلاً وسهلاً، ماذا تريد؟... قال لا أريد شيئاً، أرسلني «مالك»، أريد أن أتعلم لغة فرنسية وأريد سكناً وباقي الاحتياجات.





    المهم أنني سجلته في معهد لغة للمبتدئين، واستأجرت له بيتاً، وعرفته على فتاة فرنسية، تقول للشيطان قم حتى أقعد مطرحك، فتاة لها من الحسن والجمال ما تعجز النساء عن إنجاب مثلها... وتستطيع أن تقول إنّ الحياة سارت على هذا النحو بشكلها الرائق، إلى أن قال «فرحان» بأنه ذاهب إلى قريته، ولماذا يا حبيب القلب؟ ليتزوج بابنة عمه ولمن أخبر بذلك، لمحبوته «جيني» التي من ساعة وصول النبأ إليها صدمت، ثم حملت أشياءها، ويا دار ما دخلك شر، رحلت في ليلة ليس فيها ضوء قمر.





    فرحان حمل نفسه إلى بلدته الصغيرة، وهناك دقوا ودبكوا وشو بشوا له وفي آخر الليل أمسكوا بيده ويد ابنة عمه، وادخلوهما إلى المخدع الزوجي، وتصبحون على خير، غير المتزوج الله يرسل له فتاة، والمتزوج يقضيها مع زوجته.





    ـ أعتقد أنه ليس هناك من مشكلة.





    لا، يا سيدي، المشكلة بدأت منذ لحطة عودته إلى «باريس»، فقد عاد الولد «فرحان» ليقيم الدنيا ولا يقعدها، وعلى من ؟ على رأسي، قال يريد «جيني» أن تعود إليه، وكيف ستعود؟ قال كما كنّا وزيادة، لأنه شعر بأنه يحبها بعد أن تكهرب بجسد ابنة عمه.





    لم تقتنع الفتاة «جيني» لا به ولا بهداياه، قالت له: نبقى أصدقاء، وما معنى أصدقاء؟ إنّ فرحان يؤمن تماماً أنه ما اجتمع رجل مع امرأة إلا وكان بينهما الشيطان، حاول إقناعي بأن أعيدها إليه، قلت له ما دخلي أنا، منك إليها. وهنا طاش حجر الولد، وبدأ يقول إنني السبب في كل الذي حصل له، وإنني السبب في فراقهما، وإنني عرفتها على غيره، وخذ من هذا الكلام وسيّخ.





    أعجبتني جملة «يوسف»، هذه الأخيرة، وأعجبني أكثر شدّة انفعاله واحمرار أذنيه، وطريقة أخذ السيجارة، وإشعاله لها، فقلت له، وبعد ذلك ماذا حصل؟





    ظل فرحان يحاول مع البنت، ولم تكن تقتنع، وفي النهاية، قال خذي الهدايا، فأنا لست بحاجة إليها، كلها أشياء نسائية، وهكذا حصل فرحان على ما يريده، فقد صعد مع «جيني» إلى المنزل، وفتح الباب، وتفضلي بالفرنسية طبعاً، وماذا تشربين؟





    وحين راح يعد القهوة لمعت السكين في ذهنه، أو ربمّا هو خطط لذلك حين جلب «جيني» إلى البيت. خبّأ السكين في حزامه، وحين ناولها القهوة، أخذتها ووضعتها على الطاولة، كان «فرحان» وبسرعة غير معهودة لديه، قد استل السكين، وذبحها، نعم ذبحها من الوريد إلى الوريد، كأنما هي شاة عند والده، شخبت الفتاة المسكينة بينما هو كان يراقبها، حتى أنفاسها الأخيرة، وقد كتبت بالفرنسية «فرحان، قاتل».





    يا رجل، هل تقتنع بذلك، ولم يسلم نفسه، لفّ السكين بمنشفة، وخبأها تحت ثيابه، وجاء إليَّ ليقول إنه قتل «جيني» لم أصدقه بداية، ولم أفتح له الباب، وحين رأيت السكين التي أشهرها، ورأيت عينيه تتضاربان، أيقنت بقضاء الله، وبأنني الضحية التالية له، كل ذلك رأيته من العين الساحرة فجمعت نفسي ووضعت كلّ من هب ولم يدب وراء الباب، أمسكت جهاز الهاتف واتصلت بالشرطة، بعد أن أعطيتهم عنوانه، وجلست أطق السن بالسن وراء الباب الموصد، لقد وجدوه في حديقة قريبة من بيتي.





    ـ وما دخل هذه القصة بعدم عودتك إلى الوطن كل هذه الفترة؟





    يا سيدي أبوه، نعم أبوه، فقد جاء إلى هنا، إلى فرنسا، والتقى بي، وشرحت له الموقف من طقطق لغاية السلام عليكم، وهو يهّز برأسه، وكنا قد وكلنا له محامياً جديراً بهذه المسألة، قال المحامي:





    إنّ فرحان لم يكن في حالة وعيه، أثناء ارتكابه الجريمة، وعلى ذلك وافقت لجنة الأطباء التي انعقدت من أجل ذلك، لكن المحامي اشترط على الأب أن ينام ولده سنة ونصف السنة في مستشفى الأمراض العقلية، وتمّ ذلك على أن يُرَحّل بعدها على أوّل طائرة إلى بلده، وألا يزور الأراضي الفرنسية، ولا يضع رجله فوق ترابها.





    ـ وما دخل الأب في عدم عودتك.





    يا أخي، كلما تكلمنا كلاماً يهز رأسه، ويقفل الحديث دائماً ب«ألن ترجع إلى البلد». إيه سيدي لست براجع.





    وهنا غلى «يوسف» وأصبحت حمرته تميل إلى اللون البنفسجي، أخذ سيجارة مضطربة، ومرّر يده يبحث عن القداحة، وقال: «العمى ولو...».





    ابتسمت قليلاً، ثم قلت ليوسف الذي كانت تجمعني لحظة صفاء: «أحسب العمر الزمني للرجل، وأضف عليه مدة بقائك هنا، لقد أصبح الرجل في الزمن المنسي...»
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 8 - 7 - 2010 الساعة 03:15 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •