استعراض لرواية الخلود لميلان كونديرا
* الدستور الاردنيـة
رواية الخلود لميلان كونديرا هي ـ على الأرجح ـ الرّواية التي تبرزه بأحسن أحواله ، وهي الأخيرة لثلاثية تتضمن "كتاب الضحك والنسيان" ، و"الخفة الغير محتملة للوجود".
مع أن الرواية ليست بمستوى الروايتين المذكورتين ، لكنها ـ بالتأكيد ـ جيدة: إذ تُكمل خط "ما بعد الخيال" في القرن العشرين.
أساس الحبكة عن أختين فرنسيتين: آغنيس ولورا ، ورجلهما بول. كلاهما غير حقيقيتين: لأنهما من خيال كونديرا المحض.
كونديرا الذي قرر أن يكتب هذه الرواية لأن امرأة لوّحت بيدها في الهواء بطريقة أيقظت فيه حنيناً هائلاً ، وهذا الحنين أنجب شخصية آغنيس. طبعاً معظم أقسام الكتاب تميل صوب التأمل الفلسفي بين الشخصيات الأدبية: غوتة ، وإرنست همغواي ، وتسير على خطى البروفيسور أفيناريوس ـ الشخصية الواقعية المُحتملة التي حُولت خيالاً.
بوجوه عدة أخذ كونديرا ما بدأه غوته ، أي: أسلوب ما بعد الخيال ، ونقله إلى المستوى الثاني.
على أية حال ، هذا الكتاب ليس على سوية واحدة مع روايتيه السابقتين ، بما فيهما من طزاجة و لعب ، أيضاً. انعطافات السرد المطلق سببت إخفاق الكتاب ـ على نحوْ ما.
في المقلب الآخر حيوات الشخصيات الأربع لم تُمسك بالقارئ تماماً كسابقتيه ، رغم لطافتها و طزاجتها ، مع ذلك. عموماً ، إنها توازي وتقارب الأفكار العظيمة للحياة: الموت ، والفن ، والخلود.
رواية "الخلود" ليست بالكتاب الكونديري الذي علينا أن نبدأ به: التواءاته الكثيرة ربما تمنع القرّاء من قراءة أعماله الباقية.
إنه يُعَنْوَن باللهاث الأخير لعظمة كونديرا ، حيث إن مهارات الشكل والأفكار ، مع انعطافات كونديرا ، كانت دائماً غريبة وذات طابع نزوي ، ولكن منعش. في هذه الرواية تبدو أكثر فعالية من كونها عاطفية ، وشخصياته أقل فردانية مما يتطلبه تجسيد الموضوع.
آغنيس ليست حقيقية: إنها رمز لتوق الإنسان للبقاء: للخلود. هذا الرمز تمَّ حذوهُ من قبل غوتة وحبيبته (بًيتنا) ، المرأة التي تُصنَفْ هذه الأيام رمزاً للمال والشهرة.
كما تبدو آغنيس الرمز في هذا المقطع:
"مشت حول المسبح باتجاه الخارج ، مرّت بالمنقذ ، وبعد أن تجاوزته بثلاث أو أربع خطوات ، أدارت رأسها.. ابتسمت ، ولوحت له في تلك اللحظة أحسست بألم في قلبي، تلك الابتسامة والإشارة هي لفتاة في الثانية والعشرين. ذراعها ارتفعت بسحرْ لا متناهْ. بدت وكأنها تقذف بغنجْ كرة ملونة لامعة لحبيبها. تلك الابتسامة والتلويحة بسحرها وأناقتها تركت الجسد البلا سحر.
سحر التلويحة الذائبة في اللا سحرية للجسد..
هذه المرأة تدرك أنها ليست بالجميلة ، ولكن ـ للحظة نسيت ذلك.
هناك أشياء صغيرة داخلنا تحيا خارج الوقت ربما نشعر بعمرنا للحظات مجتزأة ، و لكن أغلب الوقت نحن لا نشعر به.
على أيّة حال.. في اللحظة التي استدارت ، وابتسمت ولوحت للمنقذ الشاب الذي لم يسيطر على نفسه وانفجر ضاحكاً. كانت غير واعية لعمرها. سحرها المستقل عن الوقت برز للحظة بتلك التلويحة.
وأغمّني.. هزَّني بشكل غريب ، ومن ثم كلمة آغنيس سيطرت عليَّ ، مع أنني لم أعرف أبداً امرأة بهذا الإسم". كذلك بروفيسور أفيناريوس ، هو ليس بالبروفيسور مع أنه موجود بوصفه دلالة على نهج كونديرا المتمرد ، حيث إن متعة هذا الرّجل في ثقب إطارات السيارات تعكس رغبة دفينة في تدمير الواقعي بالوهم ، كالحضارة العصرية الحديثة.
في هذه الرّواية يوجد الكثير من الكسر للجدار الرّابع.. لتولد رواية ما بعد الخيال كـ"الخلود" ، حيث إنه ليست جميع الجدران ضرورية بل بعضها يكفي.






رد مع اقتباس