درويش.. عامان في حضرة الغياب
* نضال برقان
* الدستور الاردنيــة
عامان يكتمل عقدهما الاثنين المقبل ، والشاعر موغل في الكلام ، ومشتبك بشؤوننا وشجوننا ، وموغل في حياتنا: مفردة وجمعية ، وكأنه لم يرحل ، وكأننا نحن القابعون هناك ، "في حضرة الغياب".
مشغولون تماما بحياتك ، بتفاصيلها التي شرعتها أمام أعيننا فضاءً ، وتركتنا نحلم بالطيران ، وبتلك التفاصيل التي ظلت بعيدة عن فتوحات الشعر والنثر ، كأننا نعرف أكثر مما أريد لنا..
علامة مهمة في تاريخ الشعر العربي ، هكذا كان محمود درويش ، وهكذا سيبقى ، وبصماته ستبقى مشعة في نهارات وليال القصيدة العربية الحديثة ، فقد عبّـر ، بصدق وحساسية ، عن الأحلام ، والآمال ، والآلام ، وسنحاول ، دائما ، أن نرى ، بقلوبنا ، تلك الطريقة التي انتهجها في توضيح أبعاد القضية الفلسطينية على مستوى العالم ، من خلال تعبيره الانساني الرفيع.
قرية البروة ، وهي قرية فلسطينية تقع في الجليل قرب ساحل عكا ، كانت فضاء قصيدته الأولى ، صرخته التي أعلن من خلالها قدومه الى الحياة ، كان ذلك في الثالث عشر من آذار عام 1941 ، الأسرة نفسها خرجت برفقة اللاجئين الفلسطينيين بعد ست سنوات الى لبنان ، ثم عادت متخفية عام 1949 ، بعيد توقيع اتفاقيات السلام المؤقتة ، لتجد القرية وقد صارت قرية زراعية "اسرائيلية" تحمل اسم "أحي هود".
اعتقل درويش مرارا من قبل سلطات الاحتلال ، بدءاً من عام 1961 بتهم تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي ، حتى عام 1971 حيث توجه الى الاتحاد السوفييتي السابق للدراسة ، وانتقل بعدها ، لاجئا ، الى القاهرة ، حيث التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية ، ثم الى لبنان حيث عمل في مركز الأبحاث الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وقد استقال من اللجنة التنفيذية للمنظمة احتجاجاً على اتفاقية أوسلو.
الشاعر نفسه ، الذي كتب اعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988 ، شغل منصب رئيس اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وعمل رئيسا لتحرير مجلة الكرمل. وتنقل ما بين مدن بيروت وتونس وباريس ليستقر بعد عام 1994 في رام الله وعمان.
مؤلفات درويش الشعرية كان أولها "عصافير بلا أجنحة" ـ 1960 ، وآخرها "أثر الفراشة" ـ 2008 ، وبينهما كان ثمة ما يقارب أربعين ديوانا ، منها: "أوراق الزيتون" ، "عاشق من فلسطين" ، "حبيبتي تنهض من نومها" ، "أحبك أو لا أحبك" ، "مديح الظل العالي" ، "عابرون في كلام عابر" ، "أحد عشر كوكباً" ، "لماذا تركت الحصان وحيدا" ، "سرير الغريبة" ، "لا تعتذر عما فعلت" ، و"كزهر اللوز أو أبعد".
وكان درويش من الشعراء العرب القلائل الذين يكتبون نثرا لا يقل في صفائه وجماله عن الشعر ، ومن مؤلفاته النثرية: "شيء عن الوطن" ، "وداعا أيتها الحرب" ، "وداعا أيها السلام" ، "يوميات الحزن العادي" ، "ذاكرة للنسيان" ، "في وصف حالتنا" ، "الرسائل" (بالاشتراك مع سميح القاسم) ، "الكتابة على ضوء البندقية" ، "في حضرة الغياب".
نال درويش مجموعة من الجوائز ، منها: جائزة لوتس ـ 1969 ، جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي ـ 1982 ، جائزة لينين في الاتحاد السوفييتي ـ 1983 ، الوسام الثقافي للسابع من نوفمبر ، تونس ـ 2007 ، جائزة الأمير كلاوس الهولندية ـ 2004 ، جائزة القاهرة للشعر العربي ـ 2007 ، جائزة سلطان العويس ـ 2004 ، وجائزة الأركانة العالمية للشعر ، المغرب ـ 2008 ، كما أعلنت وزارة الاتصالات الفلسطينية في 27 تموز 2008 اصدارها طابع بريد يحمل صورته.
وبعد: لقد كان عاما مؤلما ، ذلك الذي رحل فيه درويش ، صحبة المفكر المصري عبد الوهاب المسيري ، والمخرج يوسف شاهين ، اضافة الى الكاتب والمسرحي البريطاني ، الحائز جائزة نوبل للآداب عام 2005 ، هارولد بينتر ، والباحث السياسي صمويل هانتنغتون ، صاحب كتاب "صدام الحضارات" ، وغيرهم ممن يحضرون في حيواتنا ليل نهار ، مؤكدين أن ثمة من يقبع الآن "في حضرة الغياب" ، ولكن ليس هم ، بال محمود درويش والذائقة:
رغـائب الجـموع ومقـاييس النـقــد






رد مع اقتباس