في تشرين الأول ، من كل عام ، نحتفي بالذكرى الخالدة: ذكرى أبي القاسم الشابي ، الذي كان حظه من اسمه كبيراً ، فقد توفي شاباً: لأن قلبه الرقيق لم يحتمل ما كان يتراكم فيه من عذاباتْ ، فاضطرب متمرداً عليه ، وظل يذوي مثلما يذوي فنن غض النبات من الرندً.
لم يشفه الهواء العليل في "عين دراهم" ذات الطبيعة الخلابة الساحرة ، مثلما لم يشف هواء الإسكندرية العليل نظيره ، خليل مطران.
كتب على الشاعر الرقيق الحساس أن يبحث عن الشفاء حيث الطبيعة البكر ، وبدلاً من أن يعثر فيها على ضالته المنشودة ، وبغيته المقصودة ، جادت علينا قريحته الوقادة ، ومواهبه النفاذة ، بقصيدة رائعة سماها "من أغاني الرعاة". تماماً مثلما جادت علينا بديهة خليل مطران ، من حمأة المرض والألم ، بقصيدة "المساء" ، التي يعدها كثيرون من عيون الشعر العربي ودرره ، فيما يعدها آخرون من القصائد الرائدة في الشعر الرومانتيكي الحديث.
للشابي عبقرية خاصة لا تتكرر.
فبرغم رحيله ، وهو في ريعان صباه ، (25عامًا) ، فقد جاد بشعر كثير يمكن أن يصنف ، بمقتضاه ، في عداد المكثرين ، وها هو ديوانه الذي أشرف على نشره محمد الأمين الشابي ، في طبعته الأولى ، سنة م1955 ، متقيداً بترتيب الشاعرً ، نفسًه ، القصائدَ ، يضم ما يربو على تسعين قصيدة ، وهذا مقدار يحسب في الغزارة لمن هو في مثل عمره. علاوة على أن هذه القصائد ليست كغيرها من شعر الجيل الذي ينتمي إليه الشابي وينتسب ، فقد كان الشعراء في ذلك الحين 1901( - )1934 إما محافظين تقليديين ، أو مجددين إحيائيين ، أو ـ في أحسن الأحوال ـ متأثرين بالأدب الرومانتيكي ، على خجل ، وفي استحياء ، شأن الشعراء في المهجر الشمالي. لكنه ، ولدى النظر الأول في شعره ، إن كان من حيث اللغة ، أو التخييل ، أو المحتوى العاطفي والوجدانين ، أو الشعور الدرامي ، أو من حيث الجانب الغنائي والموسيقي ، بالإضافة إلى الانتباه لوحدة القصيدة ، والنأي عن اللفظ الكلاسيكي ، والتركيب القديم ، لدى هذا النظر ، يتضح ما كان قد حققه الشابي من تطوير في القصيدة ، وما قطعه من شوط في امتلاك الحساسية الرومانتيكية.
ها هو ، على سبيل المثال ، في قصيدة "أحلام شاعر" ، يعبر مفصحاً عن أمانيه في أن يكون وحيداً مع الطبيعة الخلابة الساحرة ، صادقاً في توقه للاتحاد بها والانصهار في الكون ، متعبداً في محراب وحدته ، بعيداً ، عن صخب المدن وضجيج الخلق:
"ليت لي أنْ أعيش في هذه الدنيا
سعيداً بوحدتي واغترابي
أرقب الموت والحياة وأصغي
لحديث الآزال والآباد
وأغني مع البلابل في الغابً
وأصغي إلى خرير الوادي
وأناجي النجوم والفجر والأطيار
والنهر والضياء الهادي".
إلى هذا كله ، للشابي نظرة في الشعر والخيال الخلاق ، أوْضَحَها بدقة في كتيب صدر له بعنوان "الخيال الشعري عند العرب" ، وفي ذلك الكتيب ، الذي هو ـ في الأساس ـ محاضرة ألقاها في النادي الثقافي ، سجل ريادته المبكرة للقول الفصل في مسألة الخيال الشعري: الخيال الحرّ.