فوبيا وبائية
مقال الاستاذ خيري منصـور
دار الخليج
قد يكون محقاً ذلك الملدوغ من الأفعى إذا قفز من مكانه لمجرد رؤية الحبل أو ظل العصا، فمن يتدفأ على جمر مدفأة الحائط ويقشر الكستناء المشوية ليس كمن يغرز أصابعه في جمرها . لهذا فالفوبيا ظاهرة سايكولوجية مفهومة ولها ما يبررها، لكن ما أن يجري توظيفها سياسياً حتى يتغير الأمر، فالحبال تشبه الأفاعي لكنها لا تلدغ، والتوظيف الأمني والسياسي لهذه المشاهد يهدف إلى إدامة حالة الرعب وفقدا التوازن كي تمر برامج ومشاريع يسهل مرورها بلا عوائق هذه الفوبيا .
والآن، ولأسباب باتت معروفة على نطاق العالم كله، تحولت الفوبيا إلى وباء يهدد أكثرية البشر، لأن الإعلام بعد أن تمت عولمته أيضاً أصبح يلعب دوراً ملحوظاً في تحويل القبة إلى حبة والعكس، فهو ينفخ في قِرب ويقوم بتنفيس أخرى تبعاً لاستراتيجيات وأجندات تستهدف الرأي العام العالمي، وتسعى إلى بث مناخات معينة كي يبقى التوتر قائماً .
وها نحن مرة أخرى إزاء ثنائية الميديا التي تراوح بين التهوين إذا تطلب الأمر والتهويل إذا كانت هناك مصلحة ما .
أما الواقع كما هو وبكل ما يعج به من حراك، فإن تصويره بأمانة وموضوعية لم يعد متاحاً حتى لآلات التصوير، فهي انتقائية أيضاً وقد تصاب بالعمى أمام مجزرة يراد التواطؤ عليها، لكنها تصبح زرقاء اليمامة أمام حدث عابر، ومنذ تلك المقالة الاستثنائية الشهيرة التي كتبها ماكلوهان في ستينيات القرن الماضي عن دور الميديا في ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك في الحرب، أصبحت وسائل الإعلام سلاحاً إضافياً قد ينافس أشد الأسلحة قضاء وفتكاً لكن من دون إراقة قطرة دم واحدة . ففي عصرنا اجترح الطغاة والأباطرة الجدد أساليب للإبادة البيضاء أو السلمية، وأحياناً يكفي تجريد الإنسان من جوهره الآدمي وسلب هويته وتركه في عراء التاريخ كي تكون الإبادة قد تحققت على نحو ما .
ورغم أن هناك مصطلحات محددة أصبحت الأكثر تداولاً وانتشاراً في أيامنا، ومنها مصطلح الإفراط سواء تعلق بالقوة أو العاطفة أو الثروة، فإن بالمقابل هناك مصطلحات يجري تجنبها، إذ ما من إفراط إلاّ وله صلة بالتفريط . فمن يفرطون في استخدام القوة يراهنون على أن الضحية قابلة للتفريط في أعز ما لديها كي تنجو .
الميديا أيضاً مارست ولا تزال تمارس افراطاً في التوتير وتعميم القلق، فذلك جزء أساسي من بضاعتها والتسعيرة المتصاعدة لهذه البضاعة في أسواق سوف تصاب بالكساد إذا استرخى الزبائن قليلاً، والمطلوب هو عدم تحقيق هذا الاسترخاء لأن الجيف التي تثير النفور والهلع لدى بعض الكائنات تتحول إلى مواسم وأعراس لدى كائنات أخرى، ونحن نعيش في زمن أصبح كل شيء فيه قابلاً للتسليع، أي التحول إلى سلعة، ولم تعد هناك أية حرمة للدم أو الدمع حتى لو نزفا من عيون الأطفال وخواصرهم .
إن الفارق يوشك أن يحذف بين الحذر وفلسفة الوقاية، وبين التعثر وتكرار الأخطاء، ذلك ببساطة لأن الاضاءة تكون سخية وحارقة على مشهد ما لكنها غائبة تماماً عن مشهد آخر، والمعيار الوحيد لهذا كله هو الأجندات التي تعلو على شيء بالنسبة للحالمين ببقاء الحال على ما هي عليه .