تولستوي والتاريخ
د. حسين جمعة
* الدستور الاردنيــة
تولستوي لم يكن مؤرخاً ، بل كان فناناً عبقرياً ، ألمعياً ، في مبدعاته ، وإنساناً عظيماً ، في ممارساته: يتألق مع كل أثر جديد له: لا يكرر ذاته ، ولا يترك مجالاً للشك في أن أي عمل ، له ، إنما هو امتداد لماضيه الإبداعي ، حيث يتبدى تراثه الفني ظاهرة متكاملة ، وتعبيراً عميقاً عن سيرورة القرن التاسع عشر بأكمله ، نتنسمَّ ـ في لطائفه ـ رائحة تلك الحقبة من الزمن المشدود بأوتار الصدامات ، والانعطافات الحادة ، ما عزز لدى تولستوي فكرة التطور الشمولي للإنسان والإنسانية ، وضرورة تحققها في مبدعات فنية. ومن هذه الفكرة نبعت مكتشفاته الفكرية ، وآثاره الأدبية ، واستنتاجاته التاريخية ، وآراؤه في الأدب والحياة.
التاريخ سيرورة ذات ماضْ وحاضر ومستقبل ، والماضي يعيش فينا ومن حولنا ، فهو مطبوع في ذخائر الفن ، وفي روائع الثقافة المادية ، وفي مواقع الأحداث التاريخية.. في الحكايات الشعبية ، والعادات والتقاليد ، وفي الأمثال الشعبية ، وفي اللغة وكنوزها المتنوعة. والإنسان ، مهما تجاسر على إنكار تعلقه بأرضه ، فهو أسير واقعه: مرتبط بمكان ولادته ونشأته ووجوده المادي: يتعانق مع وسطه الاجتماعي ، الذي تربى في أحضانه ، وتبلورت رؤاه ومعتقداته في أكنافه. ومن هنا ـ من التشبث بالأرض وإنسان الأرض ـ تولدت روح المواطنة والشعبية ، وكانت من أهم عناصر الأدب الحقيقي ، وملامحه المميزة.
شغلت الثيمة التاريخية عناية معظم الكتاب الروس الكبار ، وكان لها مكانة ظاهرة في الأدب الروسي كله ، فقد أنشأ الأدباء أعمالاً فنية وفكرية تحتضن أحداث الماضي ، وتنير شخصيات تاريخية مهمة ، جسدوا فيها ـ بذكاء ومهنية عالية ـ صورة الماضي بكامل تفاصيله ، وتشعب وقائعه ، بالاستناد إلى درايتهم الواسعة بمصنفات المؤرخين ، إلى جانب استقصاء المغزى الداخلي للأحداث التاريخية ، وبواطن الأبطال والشخوص ، والأسرار الخافية من وراء دوافع النوائب والأحداث الكبرى ، والاستيعاء الفلسفي لهذه الأحداث ، ما دفع مكسيم غوركي إلى القول بأن "التاريخ الحقيقي لا يكتبه المؤرخ ، وإنما يجسده الفنان" ، ولعل هذا الأمر من أهم مسببات الانتشار العاصف للرواية التاريخية ، في القرنين: التاسع عشر ، والعشرين. وأبرز من كتب الرواية التاريخية ، من الروس ، بوشكن ، وغوغول ، وليف تولستوي ، وأليكسي تولستوي ، وبلوك ، وغيرهم.
التاريخانية جزء أصيل مكوًّن من مكونات رؤية الكاتب ، مهما كان الجنس الأدبي الذي تجلت فيه ، أو تبدت فيه موهبته وقواه الإبداعية ، وهي حضور حي لوجهة نظره في أحداث الماضي ووقائع التاريخ المهمة ، ومصائر الإنسان والإنسانية ، وهي ـ كذلك ـ منوطة بدقة تأملاته وتصوراته حول سبل تطوير مجتمعه ، وبناء علاقات حميمة مع المجتمعات الأخرى. وبمدى ارتباطه بتراث أمته ، مهما كان مضيئاً ، أو مظلماً: مقنعاً ، أو غير مقنع ، فالإنسان صانع التاريخ ، سواء بوعي منه ، أو بغير وعي ، لأنه يساهم ـ بفعله ، ووعيه ، وإدراكه ـ في صناعة التاريخ وتطوره.
يحتل تولستوي مكانة لافتة في كتابة الرواية التاريخية ، فقد عاش حياة ممتدة وحافلة بالمنجزات الإبداعية المثمرة ، وكان شاهداً على عصر امتد من عهد الرق ، مروراً بمنتصف القرن التاسع عشر ، ومحاولات الإصلاح ، إلى هبَّة عام 1905 ، وكاد يقترب من عتبات ثورة شباط ، 1917 ، فجاءت أعماله شواخص على محمولات أحداث القرن التاسع عشر ، ولم تتجاوز ـ في إطارها الزمني ـ هذا القرن ، لكن مغازيها ودلالاتها كانت عميقة في محتواها وغاياتها ، وقد طالت أعمالَ الثورة الفرنسية ، وأحداثَ عام 1812 ، وشملت فترة الديسمبريين (Decembrist revolt) ، وحركات التمرد الأخرى ، ورأت ـ في الثورة الفرنسية ـ علامة على تحطيم أسس النظام الإقطاعي ، وتعزيز الرأسمالية ، بوصفها نظاماً اجتماعياً ، أخذ يحظى في مكانة بارزة في السيرورة التاريخية العالمية ، وأشار إلى الإصلاحات البرجوازية في روسيا التي سارعت في القضاء على مخلفات نظام الرق ، وأشرعت الباب لتنامي العلاقات الرأسمالية ، وأبدى تخوفه من الاستعمار وحروب الغزو والاحتلال ، ومن اتساع الملكية الخاصة وما ترتَّب على ذلك من اشتداد دور الدولة ، على اعتبارها جهاز تسلط وعنف وإخضاع ، كما أبان الدور اللاأخلاقي للحرب ، التي عرّاها بقناعة تامة ، وقوة فنية خلاقة ، وتصوير إبداعي رصين. ومجمل هذه المنجزات دفعت لينين إلى اعتبار تولستوي مرآة الثورة الروسية ، وذلك لأنه استطاع أن يطرح ، في مبدعاته ، عدداً غفيراً من المسائل الكبرى ، بمقدرة فنية رفيعة ، بلغ إتقان تناولها درجة عالية أهلته ليحتل أحد الأماكن الأولى في تاريخ الأدب الفني العالمي ، وأن أعماله جاءت خطوة إلى الأمام ، في تطور الإنسانية ، في المجال الفني بأسره.
امتلك تولستوي إحداثيات التاريخ ، ومعاييره ، بفاعلية واقتدار ، وأخذ ـ بوصفه مفكراً وفناناً ـ يبحث عن الجذور التاريخية لما يقع أمام ناظريه ، ورأى أن الحاضر والتاريخ مشتبكان معاً ، وأن استيعاب دروس التاريخ ، وتدبر سيرورته ، وتأمل إرهاصاته ، يتعين أن يتم في ضوء الحاضر والعصر. ولما كان تولستوي يحتكم إلى حسّْ تاريخي عميق ، وموهبة متفجرة ، ومهارة فنية عميقة ، وخيال فسيح قادر على التخمين والاختلاق الرائي للأحداث والشخوص ، تفجر حماسه المنهمر في مبدعات فنية زاخرة بالرؤية التاريخية ، وجادت قريحته بعدد من الأعمال الأدبية النفيسة ، التي حازت على مدارك الملايين ، وحظيت في اهتمام القراء بمختلف مشاربهم ورؤاهم الفنية والفكرية ، وأضحت من كنوز التراث العالمي ، ومن أهم هذه الآثار: "أقاصيص من سيفاستوبل" ، و"القوزاق" ، وهذان العملان كانا المفتاح للولوج في مأثرة تولستوي الخالدة ، "الحرب والسلام" ، التي اعتبرها المؤلف نفسه الإلياذة ، من دون تواضع مزيّف ـ على حد قوله ـ ومن ثم رائعته الأخرى ، "الحاج مراد". ويبدو أن التماثل بين "الإلياذة" و"الحرب والسلام" مرده إلى أن الأخيرة جسدت شخصية شعب عظيم ، في لحظة تقرير مصيره التاريخي ، أمام زحف جيوش نابليون. في هذه الأعمال نعثر على التاريخ متسربلاً بلبوس الشخوص والأبطال ، وكيفية تحقيق ذواتهم ، وتقرير مصائرهم ، وكان من بينهم شخوص تاريخية ، وأخرى افتراضية ، وثالثة متخيلة.
من يقرأ يوميات تولستوي ، ورسائله ، يعثر على مادة قيمة في ما هو عام وما هو خاص ، من قضايا التاريخ ، تثبت أن تولستوي كان على اطلاع واسع على ما يجرى من أحداث ، ومعرفة حصيفة بالمؤرخين وآثارهم وكتاباتهم ، سواء أكانوا من الروس أو من الغرب ، من أمثال: فولتير ، وتين ، وغيزو ، ونيبور ، وغيرهم ، وكان يتراسل مع عدد منهم ، ويناقش أعمالهم ، ويقومها.
استحوذت بعض مؤلفات المؤرخين الروس على اهتمام تولستوي ، الذي تقرّى عدداً منها بإمعان ورصدْ ناجع ، ومن بين هذه المصنفات توقف ، ملياً ، عند كتاب المؤرخ والروائي الروسي ، كَرامْزين ، "تاريخ الدولة الروسية" ، واعتبره عملاً مثيراً في كتابة تاريخ طبقة النبلاء والأشراف ، وسيرهم ، ومؤشراً ساطعاً على الأزمة التي يمرون بها. كما عارض ، بشدة بالغة ، آراء سولوفيوف ، الواردة في مصنفه "تاريخ روسيا منذ الأزمة القديمة" ، الذي رسخ فيه صاحبه فكرة أن الدولة هي القوة المحركة للتاريخ ، ورد عليه تولستوي بمقولة مغايرة ، وهي أن الشعب هو صانع التاريخ ، ومبدع السيرورة التاريخية ، مشيراً إلى أن كل شيء في روسيا ، قبل بطرس ، كان فاحشاً ومستقبحاً: العسف ، السلب ، التنكيل ، الفظاظة والحماقة ، وعدم المقدرة على فعل أي شيء. ويستنتج تولستوي أن الدولة لم تصنع التاريخ ، وإنما الشعب هو المنتج للتاريخ ، وأن تاريخ روسيا لم ينجز بالسفاهات والفواحش ، ولكن بفعل الشعب.
آراء تولستوي ، في التاريخ ، وردت ضمن حديثه عن العلم ، عامة ، ودوره في حياة المجتمع ، وكانت تجري ـ على رؤاه ـ بعض الاستحداثات التي كانت تستدعيها الملابسات المتغيرة ، والتطور الذي يشهده العالم ، آنذاك. كتب تولستوي ، عام 1858 ، قائلاً: "أحترم العلم وأقدره" ، وفي عام 1887 أشار إلى أن العلم الحقيقي ، والفن الحقيقي ، تواجداً ، دائماً ، وسيبقيان ، دائماً ، مثلهما كمثل أشكال النشاط الإنساني الأخرى ، ومن العبث مناقشة ضرورتهما ، أو إثباتها. بينما أومأ ـ في موقف آخر ـ إلى أن العلم والفن ، في زمانه ، يلعبان دوراً خادعاً ، ويعود ذلك إلى أن ما يسمى بالمتعلمين ، وعلى رأسهم العلماء والفنانون ، يشكلون طبقة مميّزة ومحظوظة ، كما هي حال رجال الدين ، وهذه الفئات تعصر الجماهير ، وتحرمها مما ينبغي أن ينتشر بينها. وفي ما بعد ، ومع مرور الأيام ، أخذ يتداعى لدى تولستوي عدم الاقتناع بالعلم جراء التزوير الذي يقترفه أصحابه ، ووصل به الأمر إلى حد رفض مسوغات العلم وأهدافه ، منطلقاً من أن أصحاب المصالح اصطفوا للدفاع عن النظام القائم على اللاعدالة ، وظلم الناسً للناس ، وأضحت مكتسبات العلم في خدمة الحكام ، وليست لإفادة الشعب ومصلحته: "الناس تؤمن بالأباطيل ، وعلوم اللاهوت تبرر ذلك".
ظل تولستوي يشدّد على أن هدف العلم هو معرفة ما ينبغي أن يكون ، وليس ما هو كائن ، يعني وعي سبل إعادة بناء المجتمع ، وكان يرى أنّ العلم الحالي يشتغل على الضد من ذلك ، إنه يصب مهمته الرئيسية في حرف اهتمام الناس عما ينبغي أن يكون ، وجرهم إلى ما هو قائم ، وإلى ما لا ضرورة لأحد بمعرفته. ومن هذا المنطلق أدان كيفية تدريس التاريخ في المدرسة ، الذي لا يكف عن تسجيل الحياة المنحرفة لأراذل الملوك والأباطرة والديكتاتوريين والقواد العسكريين ، ووصف تلك الحياة ، يعني أنهم يقومون "بتشويه الحقائق". ولعل أصحاب السطوة والنفوذ ، وكذلك منظومة العلاقات الاجتماعية ، التي كانت سائدة ، آنذاك ، لم تكن ترغب في توجيه العلم في غير صالحها ، ومن هنا نفر تولستوي من تقدير أهمية الوظيفة الاجتماعية للعلم ، مع أنه أدرك هذه الوظيفة ، وتلمس خطوطها العريضة.
انْهمَّ تولستوي ، بوصفه مفكراً مبدعاً ، بتدبر مسيرة الإنسان ، وتفرّس الغاية من وجوده وحياته ، فوجد أن حل هذه الإشكالية يكمن في التجربة التاريخية: "هدف حياة الإنسان الكفاءة العالية للتطور متعدد الوجوه والجوانب ، لجميع المخلوقات.. هل أتبصَّر ، وأنا أنظر إلى التاريخ ، فأرى أن الجنس البشري ـ بأسره ـ سعى ، دوماً ، إلى بلوغ هذه الغاية؟ وذلك لأن المستقبل منوط بالماضي ، ومتشابك به". وراودته فكرة تواصل الظواهر التاريخية وتضافرها ، التي تفضي إلى تقدم المجتمع وسيرورة التاريخ ، إذ إن تجارب الماضي ما هي إلى نواتج للمستقبل ، وإن معرفة مجرى التاريخ تتطلب الانتظار ، بهدوء. ويبدو أن موقفه الانتظاري من التاريخ أملى عليه إنكار وجود نظرية موحدة للسيرورة التاريخية ، وعدم إدراك فكرة السنن الموضوعية لهذه السيرورة ، وجعله يذهب إلى أبعد من ذلك ، بتقريره أن قوانين العلم ما هي إلا وجهة نظر.
يتجلى في رواية "الحرب والسلام" أُفهوم الجبرية بألمع دلالاته ومرادفاته: فالقيصر عبدّ للتاريخ ، وليس له يد في كل ما يدور ، من أحداث وحروب ، فتولستوي يستبعد دور الفرد في التاريخ.. التاريخ ، عنده ، يسعى إلى معرفة حركة البشر على وجه الكرة الأرضية ، وارتحالهم من مكان إلى آخر ، ما يُحدث تفاوتاً ما بين الإنتاج وكثافة السكان ، ويؤدي إلى النزاعات والحروب. وعليه ، فإن المهمة المطلوبة ، من التاريخ ، هي كيفية توزيع السكان على سطح هذا الكوكب المأهول: "كل ما نعرفه نسمه بقوانين الضرورة ، وما هو مجهول ـ لدينا ـ نسمّيه حرية. الحرية ، بالنسبة للتاريخ ، هي تعبير عن البقايا المجهولة مما نعرفه من قوانين حياة الإنسان".
هجس تولستوي بالقول بحتمية أفعال الناس الذين يصنعون التاريخ ، وتحديدها الأزلي المسبق ، مشيراً إلى أن حياة الفرد لها وجهان: الأول شخصي يتسم بالمرونة ، وشيء من الحرية ، أوسع من المصالح ، والثاني عفوي لاإرادي ، ينفًّذ فيه الفرد القوانين المكتوبة عليه. فالإنسان يعيش لنفسه بوعي ، ولكنه يُستغل كأداة لا واعية لإنجاز الأهداف التاريخية والإنسانية العامة. ومن هذا الطرح يرى أن جوهر التقدم التاريخي هو في توضيح شرعية فضائل الإنسانية وخيرها ، ولا شرعية الشر اللاإنساني واستيعائها... يعني أن تولستوي كان يتلمس مسالك الخير ودروب الشر ، ومُثُلَ الحق والعدالة ، في المجتمع ، وكان يرفض الوضع القائم ، ولا يؤمن بشرعيته: لأنه لا يستند على فعل الخير ، إلا أنه ـ إلى جانب ذلك ـ كان لا يستسيغ أي عمل يفضي إلى الثورة أو التمرد. فبناء المستقبل ـ في مفهومه ـ يقوم على وعي الناس ، والتنفيذ العملي للأسس والمبادئ الأخلاقية ، وتراءى له ـ في أواخر سنواته ـ أن قانون التبدل البطيء سيسود مسيرة التاريخ ، وسيؤول الأمر إلى استبدال الأنانية بالحب ، ليس باسم ثواب ما بعد القبر ، وإنما باسم السعادة الحقيقية ، في هذه الحياة. وقد توصل إلى استنتاجات غريبة تقول إن معرفة التاريخ السياسي مسألة بسيطة ، وحب استطلاع لا فائدة منه ، وإن ما يُهم الناس ـ من سيرورة التاريخ - هو حراك الفكر الديني والسلوكي ، وانعكاسه على تركيبة حياة الشعوب. ففي حراك الفكر والوعي مكمن الجوهر الفعلي ، للسيرورة التاريخية ، ومجرى التقدم ، وما تبقى ، من بعد ذلك ، ما هو إلا صدى لهذه الركيزة. والجدير ذكره ، هنا ، أن هذا الفهم للسيرورة التاريخية ، نقيض للفهم المادي الجدلي حول الوعي والوجود ، وقلبّ لحوار القمة والقاعدة ، وتجاهل لقوانين السبب والأثر: فتولستوي لا يجد سوى تماثلات محددة ، وبسيطة ، بين تعليل ظواهر الحياة الاجتماعية وقوانين الفلك والفيزياء والرياضيات والعلوم البحتة الأخرى.
تصدر مواقف تولستوي ، هذه ، من رؤيته بوصفه فناناً ، وليس مؤرخاً أو عالماً في التاريخ: فالمؤرخ لا يرتضي بمقولة تولستوي إنّ "أي حقيقة تاريخية يتعين تفسيرها بلطف وإنسانية ، والابتعاد عن المعايير التاريخية الروتينية".
ومع ذلك فلتولستوي نظرات صائبة في التاريخ وسيرورته ، ودلالاته الفعلية ، إذ يرى أن القوة المحركة للتاريخ هي الشعب ، وليس مدونو الأحداث التاريخية ، ومعظمهم من مدرسة التاريخ الحكومي ، فالشعب ، وليس الدولة ، من يصنع التاريخ ، وينتج الخيرات المادية ، والقيم الروحية ، ويبني مقدمات الوحدة القومية ، كما أنه الرقم النصاب في الصراع الوطني التحرري. ومع ذلك فإن الجزء الأكبر من منتجات العمل يستهلكها ، ويتحكم بها ، مَن لم يشارك في إنتاجها: "الشعب يعيش على الكفاف ، وفي عداد قيادات الحياة العامة ثمة أناس هدامون ، وقراصنة ، ومرابون ، ونفّاجون لا ضرورة لهم".
وبناء على ما تقدم ، اعتبر تولستوي أن مسألة التقدم التاريخي منوطة بتدمير الدولة ، والتخلص من عبئها ، وإزاحتها من الطريق ، والاستناد إلى وعي صانعي التاريخ ، ومحبي الخير للإنسانية ، وضرورة إدراك مدى خطر التسلط والظلم. وفي تصور تولستوي أن القهر من أبلغ مظاهر كل سلطة تجد تعبيراً لها في المناقب الشخصية للفرد ، وليس في النظام الاجتماعي القائم على الاستئثار ، وإشعال العداوات ، والنهب لقوت الشعب. وينهي تولستوي حكمته ـ في هذا الشأن ـ بتأكيده أن الدولة جهاز للعسف والقهر ، وأداة إذلال وإخناع ينبغي التخلص من ربق تبعاتها ، وأقدارها الوخيمة والمرعبة.