معصومة المطاوعة: ويحها من غفلة.
أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين.. اللهم إني أسألك خير هذا اليوم.. فتحه ونصره ونوره وبركته.. وهداه.. وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده".. هكذا أفتتح صباح كل يوم من حياتي.. فأدعو الله السرور، وأتعوذه من الشرور، وأسأل نفسي إن كان قد كُتِب على هذه الدار الحزينة أَلماً أكبر من الذي عانته، أو بُؤساً أكثر من الذي عاشته، وتبقى متعلقةً في ذهني بعض الأمور..
وككل يوم تتسابق أمام مخيلتي الحوادث والذكريات، فأسبقها إلى نافذة غرفتي، أفتحها، حيث تسكن خلفها شجرة مزينة ببعض الزهور، فأقول في نفسي "قد لا تزال الدنيا بخير"..
واسترجع شريط الذكريات، وكأن حديثاً حَدّثتُ الشجرة به من قبل تراود إلى مخيلتي، فأعود لأُحدِّثها عنه من جديد.. نعم.. ككل يوم..
عشت في هذه الدار تسع عشرة ربيعاً من عمري، أزيدها على ذلك ببعض الورود، وقبل السنين الأخيرة من اليوم، كان حال هذه الدار أفضل بكثير مما هي عليه اليوم..
كانت أسرتي تتكون من ستة أفراد أنا معهم السابعة..
أبي.. رجل كبير في السن، متواضع في السلوك، لطيف الحديث، وجليس حسن الخلق، وهو يشغل وظيفة حكومية بسيطة المردود..
أمي.. امرأة بسيطة، متوسطة الثقافة، طيبة القلب، لازمة المنزل..
تليها أخت تكبرني في السن أربع سنين.. كثيرة الغرور، متعجرفة الحديث جهول لعوب، ولا أعني بلعوب فتاةً شقية، بل بالأصح فتاةً مرحة، كثيرة الرغبة في السرور، فالحياة لديها متعة فسيحة، تحب المظاهر الزائفة كثيراً، من اللبس الجميل، والأكل الوفير، والبيت الكبير، والسيارة الحديثة.. وغير ذلك من مظاهر الترف.. حبٌ أخفى أسفله وجودها البريء..
وأنّى لأبي المسكين كل ذلك، إذ لم يكن ذا مال وافر، وتوفير كل تلك الأمور لم يكن سهلاً، لدرجة أنه أحياناً كان يشعر بالألم لعدم قدرته على توفير كل ما نريد، خاصة عندما لم يتمكن من دفع رسوم الجامعة لدراسة أختي..
وأتبع أنا أختي في الترتيب، ومع فرق السنين بيننا، هنالك فرق في السلوك كبير، فأجد نفسي متواضعة، فأنا لا أذكر أنّي طلبت من أبي شيئاً يصعب عليه جلبه، إذ لا تهمني النقود طالما حب والديَّ بقربي، ولاتهمني مظاهر الناس قدر ما تهمني قلوبهم، فكان والدي يراني أملاً وسلاحاً دائماً له، يسعد برؤيتي، ويفرح بكلمتي، وكم كنت أتألم وأنا أراه يشعر بالنقص، رغم أنني لم أشعره بذلك قط، فما عمري طلبت منه أمراً لا يقوى على إعطائه لي كي لا أجرحه، وكانت أمي تقدر لي ذلك وتسعد به..
ويليني ثلاثة أولاد صغار، اثنان في سن المدرسة، وثالث يبلغ من العمر ثلاث سنين..
ويمضي الوقت، وتزداد المغريات، وتزداد رفيقات السوء اللواتي يتفاخرن بأتفه ما يمتلكن، فتزداد الرغبة في قلب أختي شبه المريض فيزداد غيظها..
هكذا كانت دائما.. وللأسف.. تود أن تمتلك كل ما يمتلكه الناس وتصبح مثلهم، إذ لم تكن مؤمنة بالفروق بين الطبقات، وكانت تردد "إذا كان أبا تلك يشتري لها، فأبي كذلك يجب أن يشتري لي".. ويطغى يوما قُبحها فتواجه أبي..
دخلتُ يوماً غرفته، فأجده منكس الرأس، يدٌ على طاولته، وأخرى على رأسه، فاقتربت منه، وسألته: أبي، ما بالك جالس هنا وحدك، كنت أبحث عنك!
فإذا به يلتفت إليّ، وأرى في وجهه ألماً مرسوماً، ودمعة مخفية، فيخاطبني قائلاً: اقتربي بنيّتي، واجلسي هنا.. مشيراً إلى مقعدٍ قرب مقعده..
فأجلس، وأسبقه في الحديث قائلة: فطَّرت قلبي أبتاه، ماذا دهاك؟
فيمسك يدي بقوةٍ سائلاً: ابنتي العزيزة، هل أنا مقصر في واجباتي تجاهكن؟!
فقلت: حاشاك ذلك، فنعم الأب لنا والزوج لأمي أنت!
فقال: والله لقد قالت لي أختك اليوم ما لو علمت بأنه سيقال لي يوماً شيئاً مثله من ابنة أنجبتها، لتمنيت لو لم يخلقني الله أباً أبدا..
فسارعت وأطلقت أنفاسي الحبيسة سائلة: وماذا قالت؟
فقال: قالت.. لم أنجبتني..؟ ألتعّيشني في الفقر!! ألأرتدي هذه الخرق البالية؟! أم لتحبس أنفاسي في هذا الكوخ الكريه.. لم أنجبتني..؟؟ _نعم فقد كرَّرت_ لم أنجبتني إن لم تكن قادراً على سد حاجتي..!؟ فيا ليتني لم أولد في بيتٍ عائِلهُ عاجز كشخص مثلك!..
فترقرقت دمعة من عيني، وهوّنتُ على نفسي قولها، كي لا أزيد عذاب أبي، وقلت بهدوء، مع ابتسامة سخيفة: ما بالك أبي؟! أتغضب لقول فتاة قاصر جهول لا تعي ما تقول! فتلك لم تكن إلاّ كلمات زلّ بها لسانها في حين غفلة..!
فأجد أبي لحظتها و كأنّي لا أعرفه، مرسومة على وجهه علامات لم أستطع تمييزها، فيقول وبشدة: "ويحها من غفلة!".. فوالله يا ابنتي إن بين الجنة والنار ثقباً صغيراً قد يُثقب في غفلة، فإن ثَقبتِه من النار دخلت الجنة، وإن ثَقبتِه من الجنة فتلك هي النار.. فاحذري..!
وسكَتَ لبرهة.. حيث شعرت وقتها بالخوفٌ والدهشة، فتابع والدي: لا عليك فإني أُذَكِّرُك فقط! فما أنت إلا بنت لها قلب طهور، لكن لك أختاً لها لسان عجول، لو شاء لأمات قلب هذا الأب المسكين في لحظة، وأحياه في لحظة!
هكذا انتهى الحديث، حيث دخلت أمي واستدعتنا للعشاء.. فجلسنا جميعا على المائدة، وبدأت أسترق النظرات، فأَرى أبي وكلّي ألم، وأرى أختي وكلّي ندم، وأرى أمي، ويالها من أمٍّ غافلٍ مسكين..
وفي اليوم التالي.. أعود من المدرسة، وفي العادة أكون آخر من يُنتَظر على الغداء، فوالدي وأخوتي يسبقوني إلى المنزل، لكن في هذا اليوم لم أكن الأخيرة..!
دخلت ولم أجد الجميع ينتظرني على المائدة، فسألت أمي عن أبي فقالت أنه لم يعد بعد، فاستغربت الأمر.. جلسنا جميعا ننتظره، فتصيح أختي بعد بعض الوقت: أنموت من الجوع ونحن ننتظر ذلك العجوز!
فتصرخ أمي في وجهها قائلة: اخرسي أيتها الوقحة، فوالله ما رأيت أباك يوماً خارجاً من المنزل بوجهٍ كالوجه الذي رأيته عليه اليوم، وأنا متأكدة بأن ذلك بسبب السُمِّ الذي نثرته عليه ليلة أمس..!
فحملت أختي صحنها معها غاضبة قائلة: لا أدري لم تغضبون من الحقيقة!
وتغادر لغرفتها، فأنزلت أمي دمعة من عينها قائلة: اللهم إني لأشهد أني أخطأت في تربيتها..
فسارعت أُهوِّن على أمي الأمر وأقبّلها، فأَكْمَلَت: تركناك أنت وأختك حرّتان، تمرحان وتلعبان، كي لا تشعران بالنقص، تساهلنا مع أختك كثيرا، وتحملنا إهاناتها الدائمة، لقول أبيك "دعيها تُحدثنا بما تُحب، فإنها لتشفي غليلاً في قلبها، إذ أننا لم نعطها ما شاءت، ولم ندخلها الجامعة كما أحبّت"..
فجأة.. فُتح الباب.. وإذا بوالدي يدخل، وأُصعق لما أراه، إذ أني رأيت في وجهه يأساً من قريب، إذ لم يعد اليوم ككل يوم، ولا أدري لم أحسست بذلك.. دخل و جلسنا وتناولنا الغداء يلزمنا صمت غريب..
وكذلك مرت الأيام، ويعود أبي متأخراً يومياً، حتى وَصلت درجة تأخره حتى المغيب أحياناً، وحتى بعض الليل في أحيان أخرى فسألتُ أمي مرةً عن ذلك، فقالت: والله ثم والله إنه ليخالجني شعور أجهله، وألمٌ لا أكاد أكبته، وأسأل نفسي باستمرار.. أيكتب على هذه الدار الدمار..؟!
فقلت لها: هوِّن عليك يا أماه، فإن لنا أباً صادقاً، ومهما كان منه، فهو يبقى إنسان، وله على نفسه حقوق، قد يضيق ذرعاً بحديث أختي، فيبحث عند رفاقه فسحةً، وله في ذلك حق، لكن تذكري أماه دوماً وتأكدي بأن حقوقه تجاه نفسه لن تطغى على واجباته تجاهنا، فهو أكبر من ذلك وأعظم..
وتمر الشهور، لا نكاد نرى فيها أبانا إلاّ قليلاً، لكننا بدأنا نرى منه الكثير..
اتّسعت المائدة وكثُرت الثياب، زاد المصروف قليلاً وجُدّد بعض الأثاث، لكننا أصبحنا فقراء حقاً.. إذ قلَّ الحنان وقلَّ الحب وقلّت الأبوة..!
كانت أختي سعيدة بكل ذلك، لكني كانت تراودني الشكوك، لم أشك يوماً في أمانة أبي فهو المثل الأعلى والإنسان الجميل، لكن كيف له كل ذلك.. على الرغم من أن ذلك لم يكن كثيراً بحيث يصعب الحصول عليه، لكن لا أدري..!
أبكر أبي يوماً إلى المنزل، فسارعت لأجالسه فسألني: هل أنت سعيدة؟ أينقصك شئ!
فقلت مسرعة: نعم أبي ينقصنا الكثير!
فقال: وما ذلك؟!
فقلت: أنت يا أبي أنت! إذ صرت أبحث عنك فلا أجدك، حتى وأنت موجود بيننا.. وكأن كلمات قالتها أختي يوماً أبعدتك عنا بُعد السنين!!
فقال: بل قرّبتني منكم أكثر، فصرت أرى ما بداخلكم قبل خارجكم، فوالله ما بقلبي عليها من شئ، وإنما هي كلمات قالتها لازالت إن نمت توقظني، وإن جلست توقفني، وإن أكلت سدّت شهيتي.. آلمتني لأنها مسّت أبوّتي.. أنا.. أنا الأب الفقير المسكين.. ثم أتبع.. "إن عمر أختك سنٌ طائشٌ مجنون.. لكنه سنُّ صادق!"..
فقلت: أبي لا أفهم حديثك كله، لكني أريدك كما عرفتك مثلي الأعلى، وأريد مبادئك كما درستها قِيَماً عليا، ولا من مزيد، فقال: وهي كذلك، وستثبت لك الأيام يا صغيرتي!..
وكانت آخر "صغيرتي " سمعتها..
إذ بعد أسابيع عدة، وفي أحد أيام الجُمَع، طرق أحدهم الباب فأجبته، فسأل: أهذا بيت فلان؟
فقلت: نعم.. لقد خرج لصلاة الجمعة!
فقال: أسرعوا إليه إنه في المستشفى!
أسرعنا بل هرولنا جميعا إلى هناك، فنجد أبي في غرفة العمليات بين الحياة والموت يصارع لأحدهما..
ويخرج الطبيب فيقول: أجده جسداً هزيلاً منهكاً في العمل، وقلباً ضعيفاً يخلو من الأمل، ادعوا له فما هو إلا رجل كبير السن، كثير الفكر، مجهد الجسد..
فتصرخ أختي لحظتها، وكأن روحاً شريرة انفصلت عن جسدها، فتقول: أبتاه فداك الروح فلتبتسم، تلك ابنةٌ عاقٌ طغى سنها على حسنها فدمره، أبتاه لك الدين والدنيا إن حادثتني.. لك فإني بريئةٌ من روحٍ سوّلت لها نفسها جرحك.. هاك قلبي أبي فحطمه إن حطمك، ودمعي أبي جفّفه إن أحزنك، ولساني أبي فاقطعه إن قاطعك، فدمي هذا ودمعي فلتستفِق، لا تجعل ابنةً قاصراً تحمل في هذا العمر ما على حمله أبتاه لا تستطيع..
فتَذكّرت كلام أبي في آخر جلسة جلستها معه، فقلت لنفسي: والله يا أبي ما قلت باطلاً، فأنت الأب المثاليّ كنت وستبقى دائماً، ما ابتعدت عنّا لأن جرح أختي أنساك مبادئك، بل لأنك أردت أن تثبتها لنا دون علمك والدي بأننا لا نحتاج إلى دليل..
ويخرج الطبيب من غرفة العمليات، وأعيننا تكاد تقتله في انتظار الرد، فيطأطئ رأسه ويهزه قائلاً: " أنا آسف "..
وبعد عدة أيام من وفاة والدي.. يطرق بابنا طارقٌ شاب.. فتفتح أمي الباب، فإذا بأحدهم يخاطبها قائلاً: أنا صديق للمرحوم، كان يعمل معي بعد الظهر بعد انتهاء عمله، في أعمال البناء..
وما إن قال ذلك وكأن الأرض تَنسحِبُ من تحتنا، فيكمل: كان يقول بأنه يحتاج إلى المزيد من النقود، وليس يمتلك مؤهَلاً يؤهله لعمل إضافي، فطلب مني وألحَّ على هذا العمل، إذ كان يريد إدخال ابنته الجامعة، وأراد أن تنافس رفيقاتها في ارتداء الملابس كما أرادت، وطلب منّي إخفاء ذلك خشية أن تمنعوه خوفاً عليه مما حصل، إذ كان فعلاً لا يقوى على هذا العمل، لذا كان يأتي إلى منزلي بعد العمل فيبدّل ملابسه، ويرتّب هيئته، حتى لا يعلم أحدٌ منكم من أين يجئ !
ثم مد يده إلى أمي وقدّم لها ظرفاً فيه من النقود ما جمع.. فسالت دموع أمي المسكينة على خدّيها، وهي تقول: أثبتَّ ما أردت يا فلان، هاهي ذا ابنتك تدخل الجامعة كما أردت..
ساعتها تذكرت قول أبي في تلك الليلة الظلماء، وقتما جرحت أبوّته "إن بين الجنة والنار ثقباً صغيرا"..
هكذا أبدأ حديثي مع الشجرة.. وأنتهي لأعود إلى واقعي الحزين، بعد مرور هذه السنين، حاملة معي مقولة أبي، من ذلك اليوم المشؤوم.. فأقولها.. "ويحها من غفلة!"...
سيرة ذاتية
كاتبة بحرينية في مجال الصحافة و الرواية والقصة القصيرة والدراما التلفزيونية
مواليد المحرق_ البحرين_ عام 1977
بكالوريوس رياضيات_ تربية_جامعة البحرين
ماجستير تربية_جامعة القديس يوسف_ بيروت
مدرسة في وزارة التربية والتعليم
كاتبة وصحفية في جريدة الأيام البحرينية
صدرت لها مجموعة من المؤلفات الأدبية منها : رواية بعنوان(وتحطمت القيود)
خمس مجموعات قصصية بعناوين: ويحها من غفلة_لن يعيد التاريخ نفسه_ الأصابع المحترقة_ الفستان المشؤوم_أنثى في رجل
كتبت مجموعة من الأعمال التلفزيونية منها:
مجموعة سهرات تلفزيونية تحت عنوان (صور من الحياة)
أربعة مسلسلا درامية بعناوين:
بقايا رماد_الفجر المستحيل_حصاد الخريف_هواجس
نشرت لها العديد من القصص والمقالات والتحقيقات الاجتماعية والسياسية والتربوية في مختلف الجرائد والمجلات
عضو في مجموعة من الجمعيات الأهلية
البريد الالكتروني
masooma@alayam>com