جردة حساب!
* فيروز التميمي
* الدستـور الاردنيــة
يقول هـ. جـ. ويلز في روايته "حين يسير النيام": "مع ازدياد متطلبات الرفاهية وتعقيدات العيش ، صارت الحياة في مدينتك مكلفة أكثر وباهتة ومستحيلة. جرّدت الحياة بشكلها الجديد مدينتك من آخر لمسة لها علاقة بثقافتك ، بعدما حل الفونوغراف والهاتف محل الكتاب والصحيفة والرسالة فإن العيش خارج شبكة كهربية تحيط العالم هو بمثابة انتحار".
هذه الرواية صدرت في العام ,1899 أي قبل 111 سنة، لكن سأتوقف عند جملة ويلز اليوم بمناسبة الحكومة الجديدة والوحدة الوطنية: فلنتحدث عن الشبكات،
تخيلوا معي مجموعة من اللاعبين الذين يركضون بكامل عافيتهم ، على عشب أخضر سعيد ، بملابسهم النظيفة ووجوههم التي تطفح منها الصحة. وتخيلوا كذلك جماهير عريضة تجلس على المدرجات مأخوذة باللعبة بين الفريقين. فماذا تفعل الشبكة بين من يلعبون ومن يتفرّجون؟ الشبكة التي تحيط باللاعبين هي شبكة حديدية القصد منها أن تحمي اللاعبين ، وتتأكد أن يبقى كل فريق في مكانه ويفهم دوره. فيفهم اللاعبون أنهم هم وحدهم من يجوز له اللعب ، ويفهم المتفرجون أنهم ليس مسموحاً لهم سوى الفرجة، هذا هو دور الشبكة.
المتفرجون الذين يدفعون ثمن المباراة ، الجالسون ساعات طوال على مدرجات اسمنتية باردة تسبب لهم تشكيلة واسعة من الروماتيزم ، ينسرقون وراء أحداث اللعبة كما يقررها اللاعبون وينسون كل ما يدور خارج الملعب. ربما يصبح سعر كيلو البندورة دينارين ، لن يمكن لأدمغتهم أن تفكر بذلك ثانية واحدة ، خصوصا إن كان اللاعبون محترفين وقدموا أفضل عرض مشوّق لديهم.
تنتهي المباراة. اللاعبون الخاسرون رغم أنهم انمغصوا قليلاً إلا أنهم يعرفون أن بإمكانهم التعويض قريبا. الخاسرون والفائزون على حد سواء يحسون بلذة التعب المرافق للإنجاز ، فالمدرجات المليئة عن بكرة أبيها تعني ريعاً مناسباً. اللاعبون ذوو الأجساد المعافاة يتصافحون بالأيدي ، يربتون على أكتاف بعضهم ، ويغادرون.
المتفرجون الجالسون على أقفيتهم حتى لتخدر ، الدافعون من أموالهم مقابل الفرجة ، المتضورون جوعاً ، المتوترون ، مرتفعو ضغط الدم والسكري بسبب أحداث المباراة ، مهترئو الاسنان لكثرة الكزّ ، بحاجة لتفريغ طاقة الفرح بالفوز أو بحاجة لتفريغ قهرهم من الخسارة ، ولما كانت مجالات التفريغ على المدرجات مستحيلة ، حين يجلسون محشورين على مسافات متقاربة فإن عقلهم يقول لهم أن يتجاوزوا الشبكة ، أو ربما يقول لهم عقلهم أنهم بحاجة لتجريب العيش لا كمتفرجين بل كلاعبين،
الشبكة ضارة بغير اللاعبين ، وزحف المتفرجين إلى الملعب ربما يكون تلمساً لبعض الحظ لكن ذلك يتطلب إزالة الشبكة ، وعادة ما تنهار الشبكات بشكل بشع ، إذ يختلط الحابل بالنابل ، وتتكسر أرجل وعصيّ وتكثر الأقاويل ، ويصمت وزراء ، وتزوّر أقاويل ، وتراق تصريحات.
نعود لمقولة هـ. جـ. ويلز عن وصفه العيش خارج الشبكة بأنه انتحار ، فنجد ان الرجل دقيق، فالشبكات بأنواعها ، كهربية كانت أم حديدية أم تشريعية - موضوعة لخدمة اللاعبين الذين لا يمكنهم الاستغناء عن ما توفره الشبكة لهم من الحماية وإتاحة المجال لهم للعب الأدوار المناطة بهم والتعويض المادي المجزي عن لعبهم لأدوارهم المرسومة.
دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأخيرة حول الطبقة المتوسطة التي توشك على الاختفاء لدينا ، تقول أن نسبة "اللاعبين" في المجتمع الأردني لا تزيد عن 8% وهؤلاء هم من يسبّحون بحمد الشبكات بكافة انواعها وتنطبق عليهم مقولة ويلز بان عيشهم خارج هذه الشبكات انتحار. أما بقية الشعب من "المتفرجين" القاعدين خارج نعيم الشبكات فإن الشبكات ليست سوى وبالا عليه ، فالشبكات لا تزيد سوى من آلامه ، آلام المقارنات والأمل في اللعب والخذلانات والخيبات.
من بين هؤلاء المتفرجين يخرج لنا شاب الجاردنز الذي سكب البنزين وأحرق نفسه في الشارع ومن بين هؤلاء المتفرجين جاءت المرأة التي ذبحت أولادها الثلاث وانتحرت ، وأسر المتفرجين هي نسبة ال39% من الأسر التي تعيلها النساء في الأردن.
لم نستطع النوم أياماً طوالا قبل سنوات حين أقدم أب على دس السيانيد في حليب طفليه قبل سنوات ، والآن نقرأ أن ثلث جرائم القتل في الأردن عائلية ونقرأ عن مشاجرات جماعية وفرض حظر تجول على مستوى قرى ومدن كاملة وعن جامعات عنيفة ثم ننام ملء جفوننا عن شواردها إما بانتظار شبكة تلمنا أو بانتظار انهيار شبكة تلمّنا،






رد مع اقتباس