النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ربيعة.. وجه أمة

  1. #1
    عضو برونزى الصورة الرمزية الوطن موال اخضر
    تاريخ التسجيل
    21 - 11 - 2008
    الدولة
    بوظبي
    المشاركات
    1,008
    معدل تقييم المستوى
    69

    ربيعة.. وجه أمة

     






    بعد انتهائنا من طواف الوداع في موسم الحج الأخير، أراد بقية أفراد المجموعة القيام بشيء من التسوق السريع من أحد المراكز التجارية في مكة، فجلست أنتظرهم في محل للحقائب النسائية، وعندما لا تكون مهتما بالبضائع فإنك حتماً ستهتم بالبشر، وكم هو التنوع البشري في موسم الحج مغرٍ بالتأمل، ليس لذاته بقدر ما هو لكونه تنوعا تحت مظلة هذا الدين القويم الرائع.

    هكذا انتبهت إلى تلك المجموعة من النساء الإفريقيات اللواتي كن يتبضعن هناك، ولفتت نظري تلك الفتاة السوداء الجميلة جدا، رغم عدم امتلاكها لأي من مواصفات الجمال المعروفة، فأدرت برنامج التعارف الأبسط والمعطل منذ زمن عندي، وسألتها عن اسمها؟

    اسمي «ربيعة»، قالتها بابتسامة كالنهار، وأنا من نيجيريا، قلت لها: ربيعة وأنت الربيع بكل هذه الألوان والزهور في ملابسك، ضحكت أيضا، فسألتها عن وظيفتها، قالت: معلمة دين، للصف الثالث. فماذا تدرسين من سور؟ سألتها، أجابت: سورة النازعات، والتكوير والانشقاق، وكانت تذكر أسماء السور بلسان عربي مبين. عرفتني على والدتها التي كانت ترتدي حجابا داكنا يصل إلى ركبتيها، ولا يقل وجهها في إشراقه عن وجه ربيعة، صديقتها سارة كذلك، جميلة مشرقة تبدو عليها علامات الرضى والبشر والسعادة. قلت لوالتها: نيجيريا جميلة، أليس كذلك؟ قالت: أووه جميلة جدا، وكبيرة جدا، ذكرتني بأكثر من شخص من دول فقيرة فخرهم واعتزازهم بأوطانهم لا حدود له، دول كلها ليست عربية للأسف!

    ذهبت ربيعة، وذهبت أنا وبقيت ذكرى ذلك اللقاء السريع الخاطف، فإذا بي أتذكر إفريقيا وما تعنيه في ذاكرتي من معان، إفريقيا الكبيرة الشاسعة، ذات الثروات الهائلة والتعداد السكاني الكبير، ما هي إفريقيا اليوم؟ ليست سوى عملاق مريض مرضا مزمنا، ونيجيريا البلد النفطي الكبير، ذو الأغلبية المسلمة، ما هي اليوم أيضا؟ وأية خدعة وأي مكر هذا الذي آل بها إلى الفقر والانزواء والنسيان؟

    دائما كنت أقارن بين إفريقيا وبين العالم العربي، و كانت مقارنتي تتجه دوما إلى هذا السؤال: هل سيأتي على عالمنا العربي يوم ونصبح في ميزان القوى لا شيء كإفريقيا، ونصبح في ذمة التاريخ نسيا منسيا؟ كنت أتساءل وأنا أرى هذا اليوم يقترب شيئا فشيئا من أمتنا العزيزة، وإن كان التفاؤل حاضرا باستمرار لأننا أمة لن تموت أبدا، كما أخبر نبينا بذلك، ولكن انهيار مراكز الثقل في أمتنا واحدا بعد الآخر لا يوحي بنهاية جميلة أو مستقبل مهيب!

    ربيعة، القادمة من ذلك العالم المنسي أو يكاد، كانت مليئة بالحياة، سعيدة طافحة بالبشر والحبور قارنتها ومرافقاتها، بالشباب واليافعين في المدن الأوروبية الغنية القوية الذين ما إن تهل نهاية الأسبوع، حتى يتفجر يأسهم وضياعهم واكتئابهم أنهارا من الخمر وأكواما من العربدة، وسحبا كثيفة من التدخين والإدمان، تجدهم يصرخون كالمجانين، ويتصرفون كالحيوانات في الشوارع والطرقات، الحجة هي عطلة نهاية الأسبوع، والحقيقة هي الضياع ودوامة الموت التي تأخذهم إلى نهايات لن تكون سعيدة أبدا، هل تتوازن الأمور هكذا؟ هل يتساوى الخلق في حظوظهم من السعادة، أم هل يتفوق الفقراء المسحوقون على مسحوقيهم وسارقي ثرواتهم؟ ربما.

    ربيعة، وهي تتحرك في مجموعة متجانسة، شكلا ولونا وصفات، ذكرتني بأهمية التوافق بين البشر أو «الهارموني»، هذا التوافق الذي يتسرب من بين أيدينا أو يكاد في هذه الفوضى السكانية التي نعيشها، والتي لا نحسن أداء أي شيء في وجودها، لأن الأهم في الأداء هو بيئة الأداء ومجاله.. هكذا تضيع اللغة والعادات والمسلمات، رغم كل الجهود، وهكذا يظل في الخدمات نقص مزمن طالما قدمت في بيئة غير متجانسة ولا متوافقة، وهكذا يظل الأهم في كل شعب أن يظل يحمل مقومات الشعب المتفق عليها عند كل البشر، لا يهم ما يتعرض له هذا الشعب من محن، طالما دخل فيها شعبا واحدا لأنه سيخرج منها كذلك شعبا واحدا، ما تبقى لربيعة والواضح في لغة جسدها، هو هذا الشيء المهم، الوحيد ربما.

    ربيعة، رغم وجود الكثيرات ممن يشبهنها هنا وهناك، إلا أنها في ذلك الوقت وفي ذلك المكان، أحيت في داخلي شعور التواد والتراحم بين المسلمين، وتذكرت أوقاتا كنا نتألم فيها للمسلمين في أي بقعة من بقاع الأرض، ثم صرنا نتألم للعرب فقط، ثم انكمش كل قطر عربي في ذاته لا يفكر إلا في نفسه، إلى الحد الذي لا يضره القتل والجوع والتشريد على حدوده؟ تذكرت أمتنا الإسلامية التي كان شعور القوة الحاضرة والقوة الكامنة فيها يملؤنا، فنقول: لو حدث كذا لقامت تلك الدولة ولهب ذلك الشعب ولزلزلت أركان الباطل.

    فإذا بأجنحة كل دولة تقصقص، وقوات كل دولة تفتت وتباد وتنثر في صحراء المتربصين الغاشمة، وإذا بهم يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا وفي وجودنا، من التعليم إلى المرأة إلى القرآن والشعر واللغة والتاريخ، وكأننا وجبة معاصرة من الأنديز أو الهنود الحمر، كأننا رائحة التاريخ الحقيقي المثيرة لشهوة الإبادة لدى من لا يعرف سواها ولم يقم إلا عليها. ربيعة، وجه أمة، وجه تاريخ، وجه حقيقة ستظل ساطعة دائمة.. ولن تندثر أبدا.






    بقلم :عائشة محمد الشيخ
    ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
    يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
    يتقابلون بأذرع مفتوحة
    والكره فيهم قد أطل من العيون
    يا ليت بين يدي مرآة ترى
    ما في قلوب الناس من أمر دفين

    يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير

    فـ عفوك لا يضيق

    (((( راشد ))))

  2. #2
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ربيعة.. وجه أمة

    شاكـرة نقلك لمقال عائشة محمد الشيخ الرائع،،
    وقصة لقائها بالفتاة النيجيرية ربيعة،،
    زاد السعادة هو التقوى وليس الرفاهية كما في
    المجتمعات الاوروبية وغيرها من المجتمعات المتقدمة،،
    فسر سعادتها هو قناعتها وإيمانها،،
    أعجبني جدا المقال،،
    دمت بخير،،

  3. #3
    عضو مميز الصورة الرمزية عيناوي121
    تاريخ التسجيل
    16 - 11 - 2010
    المشاركات
    717
    معدل تقييم المستوى
    59

    رد: ربيعة.. وجه أمة

    شكراا ع خبرر

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •