تتخذ معظم الدول إجراءات حمائية لحماية منتجها الوطني الاقتصادي، لغتها القومية، تراثها الوطني بشقيه المادي والمعنوي، ثقافتها الإثنية، صناعتها التقليدية وحرفها الوطنية، والأهم من ذلك كله مواردها البشرية، من أي تهديد أو منافسة تلحق بها. ويحرص معظم الدول التي تتعرض لمنافسة من قبل الآخر، سواء كانت هذه المنافسة قادمة من الخارج أو منافسة داخلية، على اتخاذ إجراءات حمائية لحماية ذلك المنجز الوطني، لأنه هو الاستثمار الدائم، وهو السجل الذي يحفظ ما حققته، ليس فقط للأجيال القادمة وإنما للتاريخ البشري بصورة عامة.
ومؤخرا اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية قرارا بإنفاق مبلغ 800 مليار دولار، لحماية منتجها الاقتصادي من المنافسة، وأعلنت أنها لن تسمح للمنتج الأجنبي بالاستفادة من ذلك المبلغ. كما اتخذت فرنسا إجراءات حمائية مماثلة، لحماية لغتها وتراثها الإنساني، تكللت أخيرا بإدراج المطبخ الفرنسي في قائمة التراث العالمي الإنساني، كما اتخذت إجراءات مماثلة لحماية لغتها من التهديد اللغوي، كونها بلدا مستقبلا للكثير من الثقافات الوافدة والتي قد تغمر ثقافة البلد كما وكيفا. كما تتخذ دول أخرى قوانين مماثلة لحماية منتجاتها الاقتصادية ولغتها وثقافتها، وكل ما يمثل منتجها الوطني، وكل مفردات هويتها الوطنية وثقافتها من التهديد والإغراق.
وفي الإمارات، هذا البلد الكبير بثروته والقليل بموارده البشرية، والمستقبل لكافة الأعراق وكافة الثقافات العالمية، والذي تنطق على أرضه بصورة يومية عشرات اللغات العالمية، ويلتقي على أرضه مختلف الثقافات والعادات، وتجد في أسواقه مختلف البضائع من كل جهات الأرض، لهو أحرى من غيره باتخاذ إجراءات حمائية لحماية منتجه الوطني الاقتصادي وموارده البشرية من المنافسة والتهديد. فهنا يلقى العنصر البشري المواطن، تماما كما يلقى المنتج الوطني بشقيه المادي والمعنوي، الكثير من المنافسة وبصورة يومية ومستمرة.
فعلى الرغم من الجهود التي اتخذت لحماية المنتج الاقتصادي الوطني وتشجيعه، إلا أن ذلك المنتج لا يزال بحاجة لإجراءات حمائية تمكنه من المنافسة في السوق المحلية. كذلك، رغم الجهود التي اتخذت من قبل صناع القرار لحماية المورد البشري المواطن، بسياسة أطلق عليها (التوطين )إلا أن هذه السياسة لا تزال تئن تحت وطأة ضغوط كثيرة. وفي ما يتعلق بالمنتج الاقتصادي، فهو يواجه ضغوطا، تارة في شكل الانفتاح الاقتصادي، وتارة أخرى في شكل (العولمة) ومتطلبات السوق العالمي. أما العنصر البشري فالمنافسة له على أشدها، وتتمثل تارة في شكل متطلبات سوق العمل وعدم توافر الشواغر، وتارة أخرى في عدم وجود الكفاءة والتدريب المناسبين، وغيرها من المصطلحات.. حتى باتت سياسة (التوطين )رهينة تلك المفردات، وأصبح المنتج الوطني بشقيه المادي والبشري، كالباحث عن إبرة وسط كومة من القش.
إن دول الخليج عامة والإمارات خاصة، عليها أن تتخذ إجراءات حمائية، أولا لحماية مواردها الطبيعية التي تكاد أن تنضب من الاستغلال الكبير والمبالغ فيه أحيانا، وتشجيع المنتج الوطني، ولكن يبقى الأهم من ذلك والأغلى بين تلك الموارد جميعها، ألا وهو مواردها البشرية ، ولن نبالغ إن قلنا؛ حمايتها من النضوب. فبينما تظل نسبة التزايد السكاني في الدولة في ارتفاع سنوي كبير، تكاد تكون الزيادة الطبيعية في العنصر المواطن محدودة، حيث أن معظم تلك الزيادة هو زيادة قادمة من الخارج، وفي صورة عمالة ذكورية، سواء كانت ماهرة أو غير ماهرة. لذا أفلا يحق لدول الخليج إذا اتخاذ إجراءات حمائية لحماية تلك الموارد البشرية وتشجيع المنتج الوطني؟
في الإمارات، مثلا، أثبت المنتج الاقتصادي أنه ليس أقل جودة من ذلك المستورد، كما أثبتت القوى العاملة المواطنة أنها ليست أقل من تلك المستوردة، وعلى الرغم من ذلك فإنها لا تزال تواجه منافسة شديدة، ليس فقط في مجال التوظيف وفي سوق العمل وفي المنافسة على الشواغر المتوفرة، ولكن أيضا في مجال جودة التأهيل والتدريب المتوفر، والذي يمكنها من المنافسة الممكنة في سوق العمل بكل جدارة وفاعلية. ولا تكمن المنافسة في طاقة سوق العمل الاستيعابية، ولكنها تمتد أحيانا إلى المنافسة على الخدمات الضرورية، كالصحة والتعليم والطرق وكافة الخدمات الضرورية الأخرى.
إن الدولة تقوم حاليا باتخاذ إجراءات حمائية لحماية منتجها الاقتصادي، ولكن الأهم من ذلك هو أن تتخذ إجراءات مماثلة لحماية رأس مالها البشري، من حيث توفير التعليم الجيد والتأهيل المناسب الذي من خلاله يستطيع العنصر المواطن أن ينافس، ليس فقط في سوق العمل، ولكن في المجالات الأخرى كالبحث العلمي الميداني، وفي التصنيع وفي مجال الاختراعات وكافة المجالات الأخرى. كما أن التأكيد على قضية التوطين، هو إجراء حمائي ضروري في هذه المرحلة.
وتبقى أهم تلك الإجراءات الحمائية، هو الاستثمار الجيد في التعليم وبناء القدرات، فهي الحل الذي سوف يثمر في تأهيل العنصر البشري وجعله قادرا على المنافسة، والأهم من ذلك الاستمرارية في سوق العمل، حتى نصل به إلى مصاف العالمية. فمن دون هاتين القضيتين، لن تستطيع أي من دول الخليج حماية مواردها البشرية من المنافسة الداخلية.
بقلم :فاطمة الصايغ





رد مع اقتباس