فــــراق

مقال حبيب الصايغ

* دار الخليــج








بين الوداع والفراق مسافة وشوشة أو همسة . خطوة وخطوتان، وإذا هو الليل يسدل سواده وينثر نجومه الملونة . همسة أو خطوة، وإذا هو الفراق . منذ العصور القديمة، أيام كان الزمان زماناً، والعرب يتكلمون عن الفراق أكثر مما يتكلمون عن اللقاء .

وحتى أيامنا هذه . أيام الحب بالكمبيوتر والإنترنت والفاكس والموبايل والبريد الممتاز، ما زال المواطن العربي يعيش حالة الفراق حتى من قبل أن تقع، ومعظم الحوارات ذات الصلة في الواقع والأفلام تتحدث عن الغد، وعن احتمالات البعد، وفشل الوصال .

وظلت أم كلثوم تتساءل: أغداً ألقاك؟ . . حتى ماتت، وفي ترجمة أحمد رامي لرباعيات الخيام: واغنم من الحاضر لذاته . . فليس في طبع الليالي الأمان .

إنها حياة من الخوف والقلق والتوتر، تأبى إلا أن تطبع بطابعها كل ما يحيط بحياتنا، في كل الأحوال والظروف، وفي العديد من البلاد العربية، إن لم نقل معظمها، ما زال السفر يشكل صورة درامية تستعصي على الوصف، وربما على التخيل، فالسفر فراق، وهو بداية أسطورة الغربة المغروسة في الخريطة العربية، وفي العيون العربية .

الذي يغادر بلاده يصبح غريباً، بل إن من يسافر من قريته إلى القرية المجاورة يدخل في دائرة السفر والفراق والغربة .

لا نريد أن يأخذنا الفراق إلى السياسة، فالإنسان العربي قد يصبح غريباً حتى في وطنه، والعلقم أحلى من الوطن عندما يتحول إلى منفى، لكن علاقة العربي بوطنه علاقة زواج لا طلاق بعده .

وفي التاريخ العربي ارتبط الحب والفراق والموت ارتباطاً وثيقاً، عبر ذاكرة الرحيل والفراق . لا بد هنا من العودة إلى عظيم شعراء العرب والدنيا . . أبي الطيب المتنبي:

لياليّ بعد الظاعنين شكولُ

طوال وليل العاشقين طويلُ

وإن رحيلاً واحداً حال بيننا

وفي الموت من بعد الرحيل رحيلُ

الموت فراق أخير، لكن لوعته تظل حية في قلوب الأحياء . كانت أزلية أبدية، والأجيال تقف أمامها كخيول السباق، وكأنما الحياة فراق بعد فراق والموت تتويج للحفلة كلها .